مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

سرّ شقائِك.. «عاوز»

د.محمد السيد العقيد
2020/10/13   08:50 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



عجبًا لأمر من يبحث عن شقاء نفسه؛ ويقتل أجملَ أيام عمره في محاولة إدراك ما لا يُدرك، فيظلّ ينسج غايات يحاول الوصول إليها، وكلّما حقق غاية اعتاد عليها، ثم لا يلبث أن يبحث عن غاية أخرى، وينسى في مسيرة حياته أن يستمتع بما وهبه الله له، فجسده يظلّ في حراك وسعي، ونفسه تظلّ في هموم وانشغال، فلا راحة لجسد، ولا طمأنينة للروح، ولا راحة للبال، وإذا ما فشل في تحقيق إحدى غاياته حطّم نفسَه على صخور أطماعه، وأحرق بالَه في أتون صراعاته.
إنَّ غايات الإنسان وأطماعه في الحياة لا نهاية لها، ولا قناعة تكفيه، ويظلّ لديه الشعور بالعَوز والحاجة، وقد جسد لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (لو كان لابن آدم واديانِ من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب...). متفق عليه.
أيّها الباحث عن الشقاء تمهّل، أرح نفسك وبدنك، واعلم أنّ شقاءك في تشتيت متطلباتك، وعدم القناعة بما لديك، ونظرك إلى غيرك، وأنت في ذلك تسعى في دائرة لا نهاية لها، ولو نظرت بعين العقل والحكمة لوجدت أنّ من تحسده على شيء قد فقد شيئًا أكبر ممّا أخذ، وقد يكون هذا الشيء الذي فقده لديك أنت، وربّما قد دفع في سبيل ما تحسده عليه ثمنًا باهظًا قد لا تطيقه أنت، فلا تنخدع بمظهر لا تعلم قيمة ما دُفع فيه.. واعلم أنّ الله قد أعطى كلّ خلقه بقسمة عادلة، قال تعالى {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32].
أيّها الدائر في فلك الاحتياجات، والمكرر على لسانه «عاوز» (أتزوج – أتوظف – أمتلك مسكنًا – وسيارة – ورصيدًا في البنوك – ومشروعات – وقصوراً.. و... و... حتّى تُحمل على الأعناق إلى قبرك) تمهّل.. وارفق بنفسك، واستشعر القناعة والرّضى، ولا تضيّع سنين حياتك في طلب شيء قد أقسم الله - عز وجل - على تحقيقه، وما أقسم الله إلّا لعلمه سبحانه طبيعة الإنسان وإلحاحه، انظر وتدبّر قوله تعالى {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} (الذاريات: 22-23).
نصيحتي لك أيّها المنشغل بالغد أن تستمتع باليوم، فانشغالك بالغد سيلتهم عمرك، وينسيك نفسك، ويقلق نومك، وستجد نفسك في نهاية المطاف قد خسرت أشياء ثمينة لا يعوّضها ما جمعت، وانظر إلى كل مخلوقات الله حولك، من منها يجمع لغده؟!
كن كالطير في توكّلها على خالقها، ورضاها برزق يومها، وسعادتها في فضاء الله الواسع، وتدبّر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطانًا).
إنّ الغايات لا تنتهي إلا بالقناعة والرّضى، وإنَّ عمر الإنسان قصير، والشقي من باع يومه بغده، وضحّى براحة باله، وأتعب بدنه وأرهق حاله، ووجد نفسه في نهاية المطاف وقد اشتعل رأسه شيبًا، ودق سعيه في الحياة عظامه، وأذهب صحته، ثم بدأ يبحث في الثمن الذي دفعه فوجده غاليًا.. وربّما لا يستطيع تعويضه!


د. محمد العقيد
Instgram: @dr.al_akeed
Twitter: @m_alakeed
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

296.9553
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top