مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

121 يومًا

فرح العبداللات
2020/09/12   09:43 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



ظلام شديد، برد قارص، ظلال أشجار تتعكز على نافذة غرفتي، صوت عالٍ لرجل يتحدّث في نشرة الثامنة على التلفاز، جميع أضلعي تؤلمني، أضمها لصدري عساها تخفف من حمل بعضها البعض، عقلي قد توقف عن التفكير، ما عدت أرى إلا العيب و الحرام و الممنوع، فهذا هو مجتمعي المصون للأسف، ولدتني أمي أنثى كاملة فأصبحت وسط هؤلاء أشباه أنثى، كل شيء يوجعني، كل شيء ينزف مني، لا أجد ضمادة لجروح قد شكّلها على جسدي و تركَها خلفه مفتوحة من دون شفاء، ألقيت نفسي وَسطَ دوامة ضخمة لم أكن قادرة على تحملها أكثر،أردت الانسحاب من أول الطريق ولكنني لم أستطع، فقد كان مسيطر على تلك الفتاة البريئة اليافعة و التي ما رأت في حياتها إلا الحب و الضحكات في حض أبويها،ما درت بأن الحياة فيها قسوة و تملّك و استعباد للناس، ولطالما علِمَت بأن الحب هو شعور بسيط يعكس الجمال و الأمل في الإنسان،ما درت بأن من الحب انخلقت الأنانية و حب التملك و الساديّة باختلاق الأوجاع الجسدية و التلذذ بها من بعيد، كان مسيطر عليها بالصوت الذي علا على كل الأصوات،بالعنف الذي حدّ من كرامتها و زاد من تقليلها لذاتها كإنسان، ففي كل صفعة تَلَقّتها في تلك الليلة اللعينة على وجهها كانت تتمنى الموت أكثر، ألا يا دنيا يكفيها من الأسى ما لا ينتسى،فلم تعد قادرة على التحمل أكثر، وَقَفَت من عن السرير و التقطت بيدها شظية زجاج من مرآة قد كسرها بإزاحة رأسها عليها قبل ساعتين من الآن،و قرَّرَت لَحظَتُها الزّوال، الزوال و الاختفاء الأبدي،فما بقي منها قوة جسدية أو حتى نفسية لتعيش من خلالهما يوما آخر،اكتفت بما حصل خلال مئة و عشرون يوما،مئة و واحد وعشرين يوما جلست فيهم بمفردها، مئة وواحد و عشرين يوما عاشتهم بكفن أبيض، حياة سوداء، حياة بلا حياة، قرَّرَت و صَممَت على التخلص من نفسها،أغمضت عيناها، و إذ بصوت باب غرفتها يفتح بقوة، خافت،بل ارتجف جسدها كله، وقعت الشظية على الأرض و لا تزال أعينها مغمضة، أسقطت دمعة حزن و حرمان، دمعة خوف من الألم الذي سيتجدد مرة أخرى بعد دقائق من التبريح و الضرب،دمعة على جسد جميل قد شوّه من يديه القذرتين،وما أن نظرت أمامها،و إذ بوجهه القبيح ينظر إليها باستهزاء،عيونه حمراء مشتعلة بالشر و بالعدائية، وفجأة، شعرت بارتمائها على الأرض بقوة شديدة، و ما شعرت بشيء آخر بعدها، مئة و عشرون يوما من المعاناة و البكاء و قتل الروح بخناجر الغدر و العلل النفسية التي هرب علاجها منها، وقد زادها هذا القبيح يوما آخر، هذا هو الإنسان الذي يباح قتله أمام جماهير من النساء العاريات ذوات الأجساد الجميلة،ليعلم بأن الجمال قد خلق للأنثى فقط،وبأن الذي مثله من الرجال ما عاش بيوم مكرما، و ما كانت بفرض الشخصية السادية و التعنيف و التجريح، فنحن من النساء اللواتي يستغرقن أكثر من مئة وواحد و عشرين يوما ليزورنا الموت،لكنه وحده من يسلّم جسده القذر والآثم للخالق في ظرف ساعة فقط،ساعة فقط،وما كانت هذه إلا رواية عن فتاة خُدعت بالمظاهر الكاذبة،و عن رجل ساديّ مريض سانده مجتمع منافق و غذّى فيه تلك العلل ليصبح على ما عليه،و عن رواية عاشتها فتاة من هذا العالم.

فرح العبداللات
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

421.8808
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top