مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أنا والجاز

فرح العبداللات
2019/09/06   07:02 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



مَشَينا في شوارع أُنيرَت بمصابيحَ عتيقةٍ قد شهد تاريخها علينا، تمشي بجانبي متأرجحة بخصرها النحيل تأخذُه يمينا و شمالاً ،وأنا أتمرجحُ على رقَصَات قلبي الثائرة و التي ما هَدأت و لا استقرّت على حال، أتعبتني و أتعبتني أكثر بأني لست لها و لن أكون لها، فلماذا قبِلَت بعرضي في هذا الوقت من المساء، وقت عاصف استقصَدَنِي في وجودِه، فأطلق هذا الليل نسماتٍ من هواء بارد عليها لترجُف يداها و تلذان بالفرار بين يدي الملتهبتين استمدتا وقودهما من حبّ أول نظرة ،اللّعنة عليها، و كأنّها سحرتني بنفخة من شفاهها المعطّرة بعطور فرنسية تخصّها وحدها، وَهِجَت يداها و احمرّت وجنتاها لحظة انتباهها لشرودي البالغ في عينيها العسليتين والتي اشتعلت فيهما مذنبات و شهب ما هدأت ،وكأنها تنوي إشعال حرب أهلية ما بين عينيها و عيني ، مشَينا و استمعَت إلى حديثي عن أطباع الناس و إنجازاتي في الماضي و التحديات التي هزمتها كالبطل الجبّار الذي اشتُهرَ بفتوحاته و بطولاته الخارقة على الروم و الفرس، و في آخر حديثي رفعتُ سيفي عاليًا في سماء انتصاري على تلك الشعوب الطاغية ، نظرت إليها فما وجدتُها غير مبتسمة و كأنها تجامِل فكرَ طفل بسيط في بدايات عمره يبوح بأقوالٍ من دون وعي للفوز بقطعة حلوى ، خَذَلتني و أطاحت بحماسيَ للحديث أرضاً ، أعود للنظر إليها أراها مستمرة بتلك الابتسامة المذهلة ، حوّلت من شعور الغضب إلى شعور بريء ما وجَدتُ له وصف بَعد ، كأنها أعادتني إلى طفولتي التي تاهت عني بعيدا إلى مكان ما لمحت منه غير النضوج قبل الأوان، استمرّينا في المشي و جاء دورها في الحديث، اختبرتها و امتحنتُ معلوماتها الواسعة ، فما رأيت غير كِتابٍ زخُمَ بمعلومات حياةٍ كاملة ،فما تركَت للسياسة ولا للاجتماع ولا للأدب و لا للفكر القومي فرصة لعتابِها، ما فَتَحَت أبواباً للروايات ولا للقصص ولا للتكنولوجيا ولا لرقيّ الأخلاق للَومِها ،حتى الجمال و الرشاقة و الأناقة قامت بتشكيلهم في قوامٍ فريدٍ من نوعه، فكان ينقصنا في تلك اللحظة موسيقى جــازٍ لأراقصها وسط أضواء السياراتِ وما بين البيوت المهجورة، لأنظرَ في عينيها أكثر و أكثر و أكثر إلى أن أرحلَ إلى عالم آخر يفصل عقلي و منطقي و نُضجي و عمري منّي، تمنيت لو أننا تراقصنا لترى في عيوني حديثًا لا نهاية له, حديث متجدّد اللحظة، فبكل حركة يخطو بها قوامُها تتأسّس حياتي من جديد، أردت لو رأت ما بقي من شعري الأبيض لتُيَتّمَه بآخر لمسات تحلّها عليه، أردت أن ترى تجاعيداً قد تعطشوا لمثل هذا الكولاجين في وجهي، اشتد البرد عليها فنزعت معطفي بحجة مُفتعلة منّي عسى بأن يعود لاستنشاق روح قد صعدت إلى ربها من سنين طويلة لا أذكر عددها، لكنها أبت ارتداءه خوفاً من أن يَعتَلِقُ و يَتَعَشّقُ عطرها المثير به، خشَت عليّ من الموتِ في تلك الليلة،خشَت عليّ من الإدمان على ممنوعاتٍ لم أتعاطاها من قبل ،امرأةٌ ذكيّة ، سَبقَتني بخطواتها و تفكيرها، نمشي في شوارعَ مظلمة أنيرت بمصابيح عتيقة قد شهد تاريخها علينا، أرى انعكاس ظلّها على الأرض ،راقبته و تمعّنت النظر إليه، فما وجدت ثغرةً واحدةً في ظلّ، فما بال الظلّ من حقيقة ما أشاهد، وكأنني شابّ أراهق في أنصاف قرونٍ تَمَلّكتُها، لقد تبنّى قلبي الآآآآآه منها ، فما الذي حلّ بي في تلك الليلة، و ما الذي حلّ بها؟ لا أملك أدنى شك.
ساعة و نصف الساعة مَضَوا و كأنهم دقائق عبروا من جانبي لإلقاء التحيّة فقط ، ساعة و نصف الساعة تكدَّرَت فيها محاولاتيَ البائسة في امتدادها لبضع دقائق إضافية أودّع فيها أنثى ألهبَت في جَسَدي ثورةً اضّطهِدتُ فيها اضطهاداً بلُغَ سعادة تصارعت ما بين عقل و قلب، وما إن شعَرتُ بقُربِ رحيلها إلى أن أعلن القلبُ فوزه السّاحق على عقلي و كياني مـعاً، ودّعتني بنعومةٍ ِطغَت على أناملَ إنسانة من طين،كباقي البشر، بدأت بالخطو خطوةً خطوة إلى الوراءِ باتجاه منزلها وما استطعت النّطق ولو بكلمة واحدة ، ذُهول و انلَجامُ لسانٍ و كيان سيطر عليّ وقتُها،
وقفت طامحاًعودتها إليّ لأصارحها بحبّ اللحظة و أُلقِي بثقل كاهلي من عليّ ،وإذ بها تعلّمني اتيكيت الوداع بمرافقتها إلى هذا المنزل الذي نَبعَ حظّهُ منه،أنا الرجل الذي خالطتُ سادات الدّول والأقوام، أنا الذي أُعطِي دروساً في التعامل مع الجنس الناعم و الذي لطالما كان لهنّ النصيب الأكبر من لباقَتي و طَبعي الارستقراطي الرّزين، أصبحت في حضرتِها رجلاً ريفياً قد ترَعرعَ بين الاسطبلات و الحُقول ، ما عَرفَ لحُسن السّلوك معنى، فأَفَقتُ من غفوتي و ضحكت متعجباً و مشيت معها إلى المحطّة ذاتها التي أرادتها، وودّعتها وودّعتني وما أصعب رحيلها.
والآن،و في كل يوم يُسلَبُ من عمري أتذكّرها في مخيّلتي وفي قَلمُها الذي رَدّتهُ إليَّ لأكتب به على أوراقٍ عزَفَت عن نسيانها أو حتى تناسيها لثوانٍ، كأنه حلم جميل خضتُهُ لساعة و نصف و ما اقتحم نومي من يومها، حِلم أدوّنه في مذكراتي أنا،مذكرات رجلٍ اعتلى عن التقاليد و المظاهر ا
لبسيطة، حلم اغتصبه عِطرُها و أبى التخلي عنه بل رفع في وجهي أسلحته الكاملة في سبيل الحفاظ على تلك الحياة المفقودة في داخلي، حلــم ذهب ولم يعد ,أتمنى عودته، أتمنى عودتكِ أنتِ و أنا و الجاز معاً، فكم أحن إلى هذا الحلم بتفاصيله، وكم أخشى الرجوع إليه و مواظبتي عليه ،وكم أصبحتُ أتفادى سماعي للجاز ، هل تدرين السبب؟ لأنكِ أنتِ هو الجاز ،و الجاز هو جنّتي وعذابي، الجاز هو تقلّباتي العاطفية،الجـاز هو شبابي و نهاياتي الدنيوية ، باختصار: الجــاز هو أنا.

فرح إبراهيم العبدالات
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

2927.2377
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top