مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الكاذبون على النبي.. والبَبَّغاوات

د.محمد السيد العقيد
2019/05/18   10:19 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



لا يكاد يمرّ يومٌ حتى تطالعنا مواقع التواصل الاجتماعيّ بكذبة جديدة وافتراءٍ فاحش منسوب إلى مقام النبي صلّى الله عليه وسلّم.. فقد اعتدنا في الأيام السّابقة على رؤية كلام منسوب بهتانًا وكذبًا إلى النبي (ص).. يبتدئه من افترى بقوله: (قال النبي .....)، ومع أنَّ طريقة نظم الكلام وأسلوبه الركيك ومعانيه الضحلة وغير ذلك ممّا يكشف بوضوح استحالة نسبته للنبي إلّا أنَّك تجد كثيرين يقومون بنشر هذا الكلام وإرساله عبر مواقع التواصل دون توثّق منه وكأنّه لم يمرّ عليهم يومٌ حديث النبي (ص): (مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
واليوم قد انتشر مقطع فيديو لمهندسة سوريّة تُدعى (س.ح) وهي تقرأ قصيدة تتحدث عن خلاف وقع بين النبي (ص) وأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها..
وصاحب الفطرة السليمة والقلب الواعي والعقل الرشيد يدرك للوهلة الأولى عند سماعه هذه القصيدة مدى ما اشتملت عليه من أكاذيب وافتراءات ونيل من مقام صحابة رسول الله (ص) من الخلفاء الراشدين: عمر، وعثمان، وعليّ، رضي الله عنهم أجمعين..
القصيدة التي بدأ مطلعها بالإشارة إلى مصدرها الذي اعتمدت عليه: (روى الإمام أحمد بن حنبل * * * في المسند الموثق المسلسل).. جرى فيها ناظمها وراء خياله.. وابتعد عمّا ورد في متن مسند الإمام أحمد، وهوى وراء نسج أوهامه، فنراه بكلّ جراءة يختلق الأكاذيب والأقوال المنكرة، مثل حديثه كذبًا عن إعراض أمّ المؤمنين عائشة كلما دعاها النبي (ص) باستعطاف، وطول هجرها له، فهل يليق هذا بمقام النبي (ص) وهل يقع هذا من ابنة الصدّيق أمّ المؤمنين؟!
وكذلك سرده ما لا يليق بصحابة النبي (ص) من الخلفاء الرّاشدين في معرض طرح النبي أسماءهم ليكون واحد منهم حكمًا بينه وبين عائشة في الخصام، فقد أورد الناظم على لسان أمّ المؤمنين ما لا يليق، مثل قولها في شأن عمر الفاروق: (معاذ الله..)، وفي عثمان: (ومايدريه ماذا كانا؟)، وفي علي : (أعوذ إن تكُ تقيّا)!!
ولا يقتصر الأمر في الفحش والكذب على ذلك، بل يتعدّى إلى مقام النبيّ (ص)، وذلك في سرد صاحب القصيدة ردّ أمّ المؤمنين عائشة على النبي (ص) حين كان يحكي ما حدث لأبي بكر الصدّيق، ويورد أنَّها طلبت من النبي أن يُعرض عن اللّجاج، وأن يقول الصّواب، وأن يتّقي الخلاف لأنَّها تكره الشّقاق.. وغير ذلك ممّا لا يصحّ وقوعه من أمَّ المؤمنين ولا ممّا يجوز بالأحرى أن يكون موجّهًا للنبي الصادق الأمين (ص)..
ولا يمكن أبدًا أن يكون الردّ والدفاع عن هذه الافتراءات بأنّ القصيدة تضمنت تعنيف أبي بكر لابنته على كلامها؛ لأنّ الكلام أصلًا غير صحيح ولم تنطق به عائشة، كما هو في متن مسند الإمام أحمد..
فكلّ هذا نسج خيال وأوهام وأكاذيب..
وكذلك لا يمكن الدّفاع عن هذا البهتان والهذيان بأنَّه أرجوزات لا روايات نُظِمت بأسلوب قصصي لتحُثّ على مكارم الأخلاق كما نحكي قصة الحمامة والعنكبوت والهدهد وسليمان لأطفالنا دون أن نشغلهم بالسند المعنعن ونجّمد عقولهم بروى فلان عن فلان عن فلان..
فهذا الدّفاع من الحمق والوهن بمكان؛ ذلك أنّنا ملتزمون حين نحكي قولًا عن النبي (ص) بالتثبّت ونقل ما صحّ بالأسانيد المتواترة ولا ننسج من خيالنا كلامًا نضعه على لسان النبي وآله، ولا يصحّ النيل من مقام صحابة رسول الله بأن نورد كلمات من وحي الخيال فيها تقليل من شأنهم أو إيحاء بوجود شيء في الصدور تجاههم..
فما الذي يمكن أن يصل القارئ والسّامع لما ورد منسوبًا في تلك القصيدة إلى أم المؤمنين عائشة وهي تقول حين تسمع اسم عمر الفاروق: ( معاذ الله)، وفي شأن عثمان ذي النورين (وما يدريه؟!)، وفي شأن الإمام علي كرّم الله وجهه (أعوذ بالله)..؟!
بئست القصيدة وبئس ما اشتملت عليه..
وهنا نؤكد أنّ المسلم لا بد أن يتحرّى ويتوثّق ما يتم نسبته إلى النبي وآله وصحبه والسلف الصالح والتابعين قبل أن ينشره ويعممه على مواقع التواصل، وإلّا فسيكون مشتركًا في الإثم، فلا يليق بالإنسان أن يكون عقله في أذنيه، فيكون كالببغاء ينقل ما يسمع بلا تعقل..
وختامًا، أنقل المتن الوارد في مسند الإمام أحمد في هذا الشأن ليتأكد القارئ الكريم من الفارق بين المتن الأصلي وما ورد في هذه القصيدة من افتراءات وأكاذيب:
روى أحمد في مسنده (18394) "عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ : يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ ! وَتَنَاوَلَهَا، أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ! قَالَ : فَحَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، قَالَ : فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا : أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ قَالَ : ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا . قَالَ : فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا".
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

468.7402
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top