مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الكاميرا.. الملعونة

د.محمد السيد العقيد
2019/05/09   04:21 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



ما كنتُ أحسبُ أنّ الجدران تخفي وراءها كلّ هذا الكمّ من البؤس الإنسانيّ.. وأنَّ الأبواب تستر خلفها كلّ تلك المعاناة والعوز والاحتياج.. حتَّى رأيت هذا المشهد الذي رسمته قسوةُ الحياة على الطرقات وحول المساجد.. حيث ينتظر هذا الصنفُ المستضعفُ من البشر إحسانَ المقتدرين عليهم قبل أن تطرق الأسماعَ أصواتُ المؤذنين لصلاة المغرب ليفرح النّاس بفطرهم..
لكن! ما أدمع العينَ ونكت في القلب حسرةً ووجعًا ذلك المشهد لأبٍ طاعنٍ في السنّ يصطحب معه ابنَه.. يجلسان معًا يرتقبان وقوف السيّارات المحمّلة بالطعام والمشروبات التي يتم توزيعها على الفقراء والمحتاجين.. حيث يكون المشهد أشبه بالسباق.. يفرح فيه من يظفر بالحصول على طعام وشراب لإفطاره.. ويرجع آخرون يجرجرون أذيال الحزن والحسرات حيث لم ينالوا أيًّا منها..
نظرت إلى الرجل دون قصد فوقعت عيني على عينه التي يبدو فيها الترقّب الممزوج بالحرج والانكسار وكأنّ عيونه تسطّر ألمًا إنسانيًّا تعجز عن رسمه أقلام المبدعين وريشة أعظم الرسامين..
وقفت على مقربة من الرّجل حيث أشاهده ولا يشاهدني.. ومرت الدقائق واقترب أذان المغرب ولم يكن له ولا لابنه نصيبٌ من الفوز بأي نوع من الطعام أو الشراب.. وغابت سيّارات المحسنين.. فوقف الرجل حيث لم تستطع أن تحمله قدماه.. مستعينًا بابنه.. وهمّا بالانصراف من المكان..
هنا.. وجدت نفسي تملأني المرارة وكأنّي أشاهد للمرة الأولى هذا الحجمَ الرهيبَ من تحمّل أثقال الحياة وهمومها.. ونظرت إلى السّماء متدبّرًا حكمة الكريم في ابتلاء النّاس بعضهم ببعض..
انصرفت متوجّهًا إلى المسجد لصلاة المغرب.. وفي الطريق تصفّحت مواقع التواصل في هاتفي وخطفت عيني تلك المشاهد المتتالية التي يقذف بها النّاس لصور مأكولاتهم ومشروباتهم.. متفاخرين متباهين بما تحويه موائدهم من ألوان الطعام وأصناف الحلوى والمشروبات..
نظرت إلى تلك الصور لكن بعين هذا الأب الطاعن في السنّ الذي لم تنعم عليه الدنيا بما يسدّ به رمقه ويطفىء نار جوعه هو وابنه حتّى صدح المؤذن معلنًا إفطار الصائمين..
فرأيت كم تكسر هذه الصور قلوب كثير من المساكين والمعوزين وخاصة في هذا الشهر الكريم..
أيّها المتفاخر بمائدتك وما تحويه من مأكل ومشرب.. رفقًا بفقير لا يجد ما يسد به رمقه.. رفقًا بأب وأمَّ لا يستطيعان أن يوفّرا لأبنائهم ولو صنفًا واحدًا من صنوف الطعام الفاخرة أو نوعٍ من الحلوى التي تتباهى بها.. رفقًا بقلب أمّ مريضة لم تستطع أن تطهي طعامًا لأبنائها الصغار اليتامى.. رفقًا بأب تنازعه مطالب الحياة فتعجزه عن توفير الطعام والشراب لفلذات أكباده..
الله لم يخلق لنا الطعام للبذخ والإسراف.. الله أنعم علينا بالنعم لحفظها وصيانتها من الزوال بشكره.. رسولنا الكريم علّمنا وأعلمنا أنَّنا قوم لا نأكل حتّى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع.. وسؤالي لك برفق: ما الذي يمكنك أكله من كلّ هذا الطعام الذي تملأ به موائدك؟! وما مصير ما تبقى منه غير سلات المهملات؟.. فهلًا كنت تصدقت به لتملأ بطونًا جائعة.. وتدخل الفرحة على قلوب بائسة..
حطّموا تلك الكاميرات الملعونة التي تجلد قلوبَ الضعفاء بسياطها.. وتنزف قلوبَ الفقراء بسهامها.. وجرّبوا في هذا الشهر المبارك أن تجبروا خواطر المنكسرين.. واجتهدوا في إسعاد البائسين.. وامسحوا دموع اليتامى والمعوزين.. ونفّسوا كربات المكروبين.. واقضوا حوائج المحتاجين.. وصونوا نعم الله عليكم وكثّروها وباركوها بالصدقة على المساكين.. واعلموا أنَّ رزقكم ونصركم بإحسانكم على الفقراء كما بلّغنا رسولنا الكريم صلّى عليه وسلّم ربُّ العالمين.. وأيقنوا بأنّ الله عند المنكسرين.. فلا تحاربوا ربّ العالمين..
الله وعد جابري الخواطر ومسعدي النّاس ومنفّسي كرباتهم وقائضي حوائجهم بتفريج كرباتهم يوم القيامة وبالنعيم المقيم.. فابنوا قصوركم بهذا في جنان الخالدين.. فذلك وربي هو الفوز المبين..
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

2953.1288
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top