مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الزهد.. الخادع

د.محمد السيد العقيد
2019/04/08   05:56 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



دخلنا المسجد في نشاط.. واعتلى الخطيب المنبر.. وانتبه الجميع، وساد الصمت، وتطلّعت الأعين، وترقبت الآذان، واشرأبت الأعناق.. ولم يكن هناك سوى صوت إمام المسجد.. الذي بدأ خطبته بعد الحمد والتّشهّد والتسليم بالحديث عن الزهد في الدنيا.. وراح يتحدّث عن الدنيا وحقارتها.. رافعًا صوته حينًا وخافضًا أحايين أخرى.. وظلّ يروي قصصًا عن الزّاهدين الذين طلّقوا الدنيا طلاقًا بائنًا واعتزلوا النّاس ومفاتن الحياة؛ لأنّها لا تساوي عند الله جناح بعوضة.. مع الحديث عن الموت وذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات.. وتغيّر الحال وتقلبات الأيام.. ليستخلص نتيجة هي: اتركوا الدنيا لغيركم.. ولا تعبأوا بها.. ولم يتبق سوى أن يقول: ابنوا صومعة أو اضربوا خيمة أو الزموا كهفًا وانتظروا مصيركم الحتميّ وهو الموت...
أيّها الخطيب الخادع المخادع.. ما أراك إلّا عدّوًا للحياة.. ضارًا بمجتمعك ودينك.. خاويًا.. تصنع اليأس والخمول وفقد الثقة وصبغ الواقع بألوان القتامة والتخاذل وقتل جذوة الطموح.. والفتك بالإنسان وقدراته.. وخلق ثقافة مضلّلة مشبوهة.. يتوارثها جيل عن جيل..
إنَّ الإسلام بريء من أفكار هؤلاء.. فحقيقة الزّهد بإيجاز: (أنْ تزهدَ فيما تملكه يدك).. فمراد الله – عزَّ وجلَّ – هو أن يحقق المسلم القوّة في كلّ شيء.. قوّة المال فلا يعيش عالةً على غيره بل تكون يده هي العليا.. وقوّة العلم، فيعمّر الكون بعلمه وينتج في كلّ الميادين، وقوّة السيادة، فيسود العالم كلّه ولا يكون تابعًا منساقًا لا يملك رأيه..
أبدًا.. لم يدعُ الإسلام إلى الخمول والكسل وترك الدنيا والانعزال في جنباتها وتسوّل لقمة العيش والضعف والتبعيّة للأمم الأخرى.. بل الثّابت في القرآن الكريم والأحاديث النبوّية الشريفة هو الدّعوة إلى إعمار الدنيا وامتلاك مقدراتها وتحقيق الثّراء.. فالمؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله.. واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى.. وعبادة الله بالمشي في مناكب الأرض وطلب الرّزق..
وهنا، أي بعد أن يملك المسلم المال، ويحقق القوّة، ويسود ويغلِب، يكون الزّهد، أي: أن لا يتعلّق قلبُه بالمال الذي جمعه، والقوّة التي حققها، والسيادة التي أنجزها، بل: يكون كلّ ذلك في يده لا في قلبه.. فيزهد في كلّ ذلك لا بتركه وإفنائه وتضييعه، بل بتوظيفه في خدمة دينه ومجتمعه، وذلك بالإنفاق على الفقير، والإحسان إلى المساكين، وإيتاء ذي القربى، ونصرة المظلومين، وتوفير عمل للعاطلين، وتحقيق العدل بين العالمين..
فليس الزّهد بالفقر والاحتياج للآخرين وتسوّل أسباب الحياة.. وفيما يزهد الفقير وهو لا يملك شيئًا يزهد فيه؟!!
إنَّ الله أراد عباده أعزّة أقوياء لا أذلة ضعفاء.. أرادهم سادة غالبين لا عبيدًا مغلوبين.. أرادهم قادة متبوعين لا مقودين تابعين.. يضربون الأرض بقوّة فتخرج كنوزها.. ويسبحون في فضاء السّماء فتكشف أسرارها.. ثمَّ يجعلون من كلّ ذلك دلائل تقوي إيمانهم.. وأعمدة تمكّن مجتمعاتهم.. فيفيض الخير من الإنسان للإنسان.. ويبيت الجميع في خير وأمان..

د. محمد العقيد
Instgram: @dr.al_akeed
Twitter: @m_alakeed
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

244.7183
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top