مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الرّاقصون على الجراح

د.محمد السيد العقيد
2019/03/18   05:55 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



ما كنتُ أحسبُني يومًا أتلقّى درسًا عنيفًا من ناعمة الأظفار.. تلك التي يفصل بين عمري وعمرها عقودٌ.. غير أنَّها اختصرتها في دقائق معدودة لتعطيني خبرةً أضاعها مني زمني..
رأتها عيناي وأنا على منوال حياتي صباحًا حين كنت متوجهًا إلى سيارتي في الصبّاح الباكر.. أسير منتشيًا تحت قطرات من المطر رقيقة تداعب بها السّماءُ الأرضَ مع نسيم الهواء العليل..
منظر الفتاة ذات الخمس سنوات السّاحر زاد الصورة جمالًا والصباح بهاءً ورقّة.. وهي ترتدي ثوبها الوردي الذي يكاد من رقته ورقتها أن يكون قطعة منها في مشهد يكمل صورة لزهرة رقيقة وقد اكتمل المشهد الجذاب في بسمتها العريضة التي كانت تملأ وجهها.. وملأتْ العيونَ جمالًا بزهرة كانت تحملها بين يديها.. في صورة محيّرة بين زهرتين تتنزّل عليهما قطرات المطر رقيقة..
فتركت هاتفي الذي اعتدت أن أتصفحّه صباحًا وأنا في سيارتي تحت المنزل قبل التوجّه للعمل..ونظرت يميني ويساري فوجدت من يشاركني النظر مبتسمًا فرحًا بهذا الجمال البريء..
وهنا علا صوتي أمازحها حين رأيت قطرات المطر تتهادى على عيونها الجميلة.. قائلًا لها: هل تبكي الزهرة الجميلة؟.. فأجابتني في ابتسام محيّر قائلة: إذا قسا عليها قلب حقود.. قلت لها: وهل في الدنيا قلبٌ يحقد على جمال الزهور؟ فقالت: نعم: من يغار منها أو لا يقدّر جمالها.. فقلت لها: لا يصيب الزهرة من الحاقدين شيء.. فقالت: أوراق الزهرة ليست بعيدة عن أشواكها؟
وفجأة نزلتْ بنت أخرى تكبرها سنة أو سنتين ترتدي ثوبًا أزرق.. فنظرت إلى عينيها اللتين كادت تخرج منهما ألسنة لهبٍ مسلّطة تجاه زهرة الصباح التي أسعدتنا ببهاء طلعتها..
وفجأة توجّهتْ البنت ذات الرداء الأزرق إلى صغيرتنا الواقفة بزهرتها النديّة.. وجذبت الوردة منها بعنف ووضعتها تحت قدمها..
وهنا نزلت الدموع من زهرتنا الصغيرة واختفت البسمة من وجهها لتعلوه حسرة.. وظلت الأخرى تضغط بقدمها على الوردة وهنا يزداد الدمع على وجه الفتاة الصغيرة يصاحبه بكاء يخرج من قلبها وكأن الأخرى تضغط بقدمها على مهجة قلبها لا على وردتها التي أصبحت عدمًا في الأرض المبللة بالمطر..
أسرعتُ إليهما وأبعدتُ ذاتَ الرداء الأزرق عن وردة الفتاة الصغيرة.. وحملتُ الوردة إليها وحاولتُ جاهدًا ترتيبها وتجميع أوراقها وإزالة التراب عنها.. وقلتُ لها: خذي زهرتك.. ما زال فيها جمالٌ ورائحةٌ زكيّة.. ولبراءتها مدتْ يدَها لتأخذها مني.. غير أنَّ ذات الرداء الأزرق خطفتها بسرعة ومزقتها أشلاء لتختفي معالمُ الوردة...
وذهبتْ الفتاة المعتدية مسرعةً إلى زميلاتها اللائي كنّ يضحكن بصوت مرتفع وكأنّي أرى قلوبًا كالصخور من الحقد والقسوة..
وهنا ما رأيتُني إلا تتساقط دموعٌ من عيني أجدُ حرارتها في أجفاني وخدّي.. ففاجأتني الصغيرة بسؤالها: هل يبكي القلبُ الطيبُ؟ فقلتُ لها: نعم.. قالت متى؟ قلت: إذا جُرِح في ساعة فرحه... فقالت: ومن يجرح قلبًا طيبًا في ساعة فرحه؟ فقلت لها: الرّاقصون على الجراح...
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

265.6185
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top