مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

فيها حاجة حلوة

د.محمد السيد العقيد
2019/02/10   07:38 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



لا تسير حياة الإنسان على وتيرة واحدة من حيث صفو الحياة وكدرها، فيوم يسوء ويوم يسرّ، لحظات تدمع عيناه من الفرح، وأحيانا من الحزن.. وفي الشدائد ونوائب الزمان وتقلبات الأيام قد يذهب الحزن والغمّ ببعض الناس حدًّا يعكس صورة الطبيعة في عينيه ملطّخة بالدماء، ومسرحًا للصراع والتناحر والتقاتل بين البشر، لا يرى في مشاهدها إلا الأحقاد والضغائن والمؤامرات، وقد تهون عليه الحياة بما فيها.. ويحطّم نفسه على صخور الآلام، ويرمي بقلبه في نار مصائب الزمان، فيزداد حسرة على حسراته وألمًا على آلامه..
الصراع في الدنيا أمر محتوم، وابتلاءاتها قدر معلوم، فنحن نعيش على اختلافنا في الفكر والسلوك في محيط واحد نتشارك فيه موارده الماديّة والمعنويّة، وهذه سنّة الله في مخلوقاته كلّها، وما دام الأمر كذلك فلا بد أن يظهر في دنيانا تنازع المصالح، والتنافس والتشاحن والتقاتل – أحيانًا – على موائد الحياة...
لكن.. يا أيّها الضعيف.. لطفًا بحالك، ورفقًا بنفسك، وحفظًا لحقّك في الحياة.. إنَّك إن حرصت كلّ الحرص على السلامة فلن تبلغها، وإلا فأين أقدار الله في مخلوقاته التي قضت بأنّه لا يسلم من كبد الحياة إنسان؟ وإنّك إن اجتهدت كلّ الاجتهاد في النأي بنفسك عن ضغائن الآخرين وأحقادهم ونيلهم منك خلقًا وسلوكًا فلن تستطيع أن تمنعهم يومًا من الكيل لك باتهمات صنعوها بنسج خيالهم، أو تلقّوها دون إعطائك فرصة للخلاص منها...
اِقلب صفحات صراعهم، وأبعد نفسك عن سعير أحقادهم، وانجُ بروحك من أتون مكائدهم، وانظر للصفحة الأخرى لنعيم نفسك وراحة بالك.. ألا يكفيك ضمةٌ من حبيب تنسيك أوجاعك.. ونظرة في عيون طفلتك وأبنائك تسعد أرجاءك؟
لن تعدم في دنياك إن أمعنت النظر حبيبًا يلملم أشتاتك.. وصادقًا وفيًّا يحاول جاهدًا أن يُذهب أحزانك..
الله لم يخلق الدنيا لوحة واحدة تعكس الصراع وتتردد فيها مشاهد الحاقدين الشامتين والمتقاتلين.. ونوائب الزمان ومصائب الأيام وتقلباتها.. وإلا فهل تستطيع أن تعمي عينيك عن المتصدقين وإن كانوا لما قد أعطوه محتاجين.. وذوي المروءة والشهامة والمتطوعيّن.. ومن يفدي وطنه بروحه.. ويضحّي بنفسه ليعيش أبناء أمّته؟!..
الحياة فيها الجمال الساحر.. فيها منحة الله لخلقه من الحب والتراحم والحنان.. فيها الوفاء بين الإلفين.. فيها دعاة المودة والمسالمة.. حتّى لترى فيها الوحش يحنّ على أشباله.. وذا الناب يرفع مخالبه حتى لا يؤذي صغاره..
فيها حاجة حلوة.. لكنك لن تشعر بحلاوتها إلا إذا أزلت عن عينيك غشاوة الألم وأسعدتها بالنظر في نعم أخرى منحها الله لك.. ولن تتمتع بحلاوتها إلا إن صممت أذنيك عن مسببات الحزن وطفت بها في ألحان صوت أطفالك وهم يبتسمون علّك تبتسم.. وهم يمرحون علّك تهنأ.. عمرك قصير.. لكن.. أنت صاحب قرارك في تقرير المصير...

د. محمد العقيد
Instgram: @dr.al_akeed
Twitter: @m_alakeed
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

249.9998
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top