مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

ليست جنّة «1»

د.محمد السيد العقيد
2018/11/18   08:48 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



عجبًا لك أيّها المهموم من نوائب الدنيا وإزعاجها، والطالب في دنياه ما ليس من أوصافها..
كيف تطلب في دنياك خلوَّها من المشاق والأوجاع.. هل رأيتها كانت لغيرك صافية تامّة؟!..
لا تذهلك مظاهر البسمة المرسومة على بعض الشفاه.. ولا تغتر بصيحات ضحكات تخفي خلف الصدور وجع فقدان حبيب وأنيس.. وتحضن ضلوعُ مطلقِها قلبًا يعتصره ألمٌ قد لا تطيقه..
الله – عزَّ وجلَّ – ذكرها في كلامه الإلهيّ صريحة واضحة، فقال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد:4).. فكيف تريدها هنيئة وديعة تامّة كاملة المحاسن؟!
إنّ أعظم وصف للحياة مع طاعة الله لم يكن سعادتها بل كونها طيبة، وتأمل قول الله – عزَّ وجلَّ – (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل: 97). ذلك أنَّ للسعادة موطنًا آخر ، فهي عند رب العالمين.. في جنات النعيم..
تشغل نفسك بالآخرين.. تتطلع إلى كثرة المحبين.. تجتهد في تحسين صورتك أمام العالمين.. تعتصر نفسك ألمًا إن رأيت من النّاس من ينال منك ويأكل لحمك في غيبتك.. وتزداد همًّا وغمَّا إن كنت محسنًا إليه.. صادقًا في محبّته.. يا هذا.. استيقظ من سباتك العميق.. ألا ترى أنّك في دنيا لا بد أن يتحقق فيها معنى الجحود والنكران.. والظلم والطغيان.. والقهر والغدر والخذلان؟.. وقديمًا قالوها ولم تستمع لها جيّدًا.. قالوا: رضا الناس غاية لا تُدرك..
إنَّ سلامة الصدور وصفاء الود من الجميع موطنه حين تقرأ قول الله تعالى في وصف أهل الجنة (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ ..) (الأعراف: 43).. فلا ترهق نفسك في طلب ذلك في الدنيا من الجميع..
تتعب جسدك في العمل تلو العمل.. وتصل الليل بالنّهار.. وتنام عيناك وعقلك مشغول بحسابات الربح والخسارة وجمع المال.. وتجمع وتجمع.. وفجأة تضيع لذة ما جمعت مع أول صرخة ألم تحت مشرط طبيب.. يا هذا ألا تراها دنيا لا تكتمل من جانب إلا نقصت من جانب آخر؟!
لا أريد أن أعدد لك مظاهر آلامها ونقصانها فهي كثيرة لا مجال لحصرها.. ولكن قد تسأل: لماذا هي كذلك؟!
الإجابة يسيرة: لأنَّها دنيا.. أرادها الله مزعجة.. مؤلمة.. مليئة بصنوف الكدر.. تجمع التناقض في كلّ جوانبها.. فلم يخلق الله الكروانَ فيها مغرّدًا منفردًا.. ولا الزهور تتهادى عليها فراشات بديعة الألوان وحسب.. بل خلق مع ذلك الثعابين والعقارب والوحوش الضواري.. وألقاك في كلّ ذلك لتقابل المحسن والمسيء والنافع والضار.. والكريم والبخيل.. وحافظ الجميل وأصحاب النكران.. وتنتفع بعلم العالم وتتأذى من جهل الجاهلين..
وقد تسأل فما الحكمة؟
الإجابة يسيرة، لأنَّ صراع الدنيا ومصائبها وابتلاءاتها وأضرارها وتناقضاتها وخداعها وآلامها هي صفحات اختبارك.. فلست في دار الخلود.. أنت على سفر جدًا قصير.. فتأهب لما أراده لك خالقك..
واعلم أنَّ كل ذلك فيه مصلحتك.. فنوائب الزمان وكيد الناس هو طريقك إلى معرفة حقيقة أنت عنها بعيد.. هي أنَّك مهما اسكتثرت من المحبين فأنت وحيد.. ومهما جمعت من أموال فأنت فقير.. ويتضح لك ذلك في غدر المحبين ونكرانهم.. وفي ضياع لذة المال مع ألم المعاناة في الحياة.. وحينها تذهب لصفاء نفسك حين تعلم أنك لست وحيدًا ما دمت تركن إلى مولاك ولست فقيرًا ما دمت تقنع برزق خالقك.. فأنت مع الله لست وحيدًا ولا فقيرًا.. بل معك الدنيا وإن أدار الناس لك ظهورهم أو تتابعت عليك نوائب الزمان..
ألا تسأل نفسك؟ لماذا الفاتحة في كلّ صلاة؟ لأنَّها بدئت بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).. فالله جعلها لك في ذلك لعلمه بما تلاقيه في الدنيا.. ولتذكرك بأنّ طريق صلاح النفس في ذكر الله وحمده.. كما وضع لك آيات تشفي صدرك وتزيح همّك وتكسبك طيب الحياة.. وكفاك حين تُظلم أن ترفع يدك للسماء وتقول (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173) وكفاك حين تضيق بك سبل الحياة وتجاهد معاناتها أن تقرأ (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)..
الله أراد الدنيا لك دار ابتلاء ومقامًا قصيرًا.. تحصد فيها ما تحصده.. وتجمع فيها ما تجمعه.. وتسلمه لغيرك.. وهناك يكون حسابك فإمَّا إلى نعيم مقيم وإمَّا إلى عذاب أليم.. فتأهب.. ولا تنخدع ببرق الدنيا الخاطف..

د. محمد العقيد
Instgram: @dr.al_akeed
Twitter: @m_alakeed
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

756
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top