مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الفضيلة «المُتعِبة»!

د.محمد السيد العقيد
2018/05/02   08:53 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



تختلف نظرة الإنسان للقيم والفضائل الإنسانية في مجتمعه مع اختلاف مرحلته العمريّة، فالطفل الصغير يتلقاها من والديه ثم يتعلّمها في مدرسته.. ويسمع دائمًا إرشادات وتوجيهات عن الصدق والوفاء والأمانة والإخلاص والمروءة والرحمة وغيرها من القيم والفضائل الإنسانية ومن ثم يتمثّلها ويرى العالم من حوله مدينة فاضلة..
ومع مرور الزمن به وفي فترة شبابه وغالبًا ما قبل الأربعين.. يدرك أنّ المجتمع ليس أفلاطونيّا وأنّ المدينة الفاضلة قد يشوبها وجود صنوف من البشر تتسم بالأخلاق السيئة وتصدر منها رذائل وأفعال تنافي مروءة الإنسان وما يجب عليه أن يكون... لكنّه مع ذلك غالبًا ما يتماسك ويحافظ على ما اكتسبه من قيم وفضائل لأن صدى أصواتها ما زال يتردد في ذهنه، وربما ما زال الأب يوجّه والأم تنصح بأنّ الإنسان عليه أن لا يقلّد ذوي الاتجاهات الخاطئة في السلوك..
وفي سنّ رشد الإنسان الحقيقي أو ربما يكون أدق لو قلنا سنّ الحكمة ما بعد الأربعين فإنّ النظرة الأفلاطونيّة للناس قد لا يكون لها وجود؛ فالغشاوة تزول ووجوه الناس وقلوبهم تكاد تتكشف وتكون أكثر وضوحًا..
ويرى الإنسان أبعد من ذلك من خلال تجاربه، فلا يقتصر إدراكه كذب البعض وصدقهم أو خيانتهم وأمانتهم أو تخليهم ووفاءهم.. بل يتضح له ما وراء هذا السلوك السيء وفلسفة المتصفين به..
فهم يرون أن في الكذب والجبن نجاة سريعة من أي مواجهة أو محاسبة أو عقاب.. وفي تخليهم عن الآخرين وعدم الوفاء لهم وتجاهلهم راحة من أيّ التزام.. وفي البخل توفيرًا وحفظًا للمال.. وفي النفاق توددًا للآخرين وكسبَ محبتهم.. وغير ذلك..
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يدرك مشقة وتكاليف الالتزام بالقيم والفضائل.. ويرى النظرة السلبية من بعض الناس لمن يتمسك بها.. فهو في نظرتهم ساذج.. طيّب.. مضحوك عليه.. وربما أصعب من ذلك في الوصف..
وهنا يقف الإنسان حائرًا.. ويتساءل: هل يعامل الناس كما يعاملونه؟.. هل يتخلى عن فضائله وقيمه ويرتاح من مشقة الالتزام بها؟.. هل هو مخطئ وقليل الفطنة بالتمسك بها؟.. وغير ذلك من الأسئلة التي تدور في رأسه..
وهنا يختلف صمود الأشخاص حسب ما تمّ غرسه فيهم منذ الصغر.. ووفق بيئتهم ونشأتهم.. ووجود من يعينهم على مواجهة هذا الصنف من الناس أم لا.. وحسب التجارب التي مرّوا بها.. وقوّة المواقف التي عانوها من ذوي الأخلاق السيئة ممن قد يطلق عليهم أسماء للذئاب والثعالب والثعابين... إلى آخره.
ولكن.. أيّها الإنسان.. كن صادقًا وإن كذبوا.. كن مخلصًا وإن تخلّوا وتنكروا.. كن وفيّا أمينًا وإن خانوا.. كن مهتمًا مبادرًا وإن تجاهلوا.. كن رحيمًا وإن قسوا.. كن شجاعًا وإن جبنوا.. قابل الإساءة بالإحسان وواجه المنكر بالمعروف..
فأنت بذلك تحقق معنى كونك إنسانًا.. فأنت بذلك تستحق أن تكون خليفة الله في أرضه.. فأنت بذلك تظلّ أنت بمعدنك وأصلك مهما كان لغيرك وجوه عديدة وقلوب متنوعة يبدلونها حسب الحاجة ووفق الطلب والمصلحة..


د.محمد العقيد
Instgram: @dr.al_akeed
Twitter: @m_alakeed
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

747.0025
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top