مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

خلقها الله.. لـ «القليل»

د.محمد السيد العقيد
2018/04/04   09:17 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



مع عزلتك - أحيانًا - عن النّاس.. وتدبّرك في ملكوت الله.. قد تتداعى إليك أسئلة، وقد تأخذ صفة العموم، ومن هذه الأسئلة: لماذا خلق الله الدنيا وما فيها وهو الغني عن خلقه؟..
وهذا لا ينافي مطلقًا إيمان الإنسان بالله – عزَّ وجلَّ - الذي أوجد كلّ شيء، فالسؤال هنا في نطاق الإيمان، فأنت لا تسأل عن وجود الخالق، بل تسأل عن حكمة إيجاده للمخلوقات وهو غنيٌّ عنها – سبحانه - لا يزيد خلقُه وعبادتُهم ورزقُهم في ملكه ولا ينقصونه، وفي الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ).. فكما أن المخيط إذا أدخل البحر ثم أخرج منه لم ينقص من ماء البحر شيئا، فكذلك: لو أعطى الله كل واحد من الجن والإنس مسألته لم ينقص ذلك مما عنده شيئا.. فهو تأكيد وتقرير لعدم النقص من ملك الله..
إذن.. لماذا خلق الله الدنيا وما فيها؟..
الإجابة: نعرفها بتدبر آيات الله وما في كتابه من قصص وإشارات.. تدلّ على أنَّ كلّ هذا الوجود خلقه الله - عزَّ وجلَّ – ليصطفي ويفرز صنفًا من عباده، ألزمهم وصفهم بكلمة (قليل).. فليسوا هم الجمهرة الكثيرة ولا الأعداد الغفيرة.. بل هم عدد قليل في كلّ زمان ومكان.. (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ )(ص: 24).. (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (هود: 40)..
هم فئة رأت الحياة نهرًا يجري من تحتهم.. الكل يشرب منه بِنَهَمٍ وصراع وضجيج وصخب وتقاتل وتنازع وأحيانًا في هدوء وطمأنينة.. لكنهم انتصروا على أنفسهم، واكتفوا منها بغرفة بسيطة تمكنّهم أن يستمروا على نهجهم.. يقاومون مغريات الحياة ويتخلون عن ملذاتها وشهواتها ويسخرونها في رضا الخالق.. ويتحملون مصاعب الدنيا ومشقاتها طمعًا في ثواب عظيم أجلَّه الله لهم.. هؤلاء تراهم في قوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) (البقرة: 249)..
هم الفئة الصابرة التي استحقت وعد الله بالنصر والتمكين (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ).. (البقرة: 249).. (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال: 26)..
هم الشاكرون نعم الله عليهم فلا يجحدونها (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة: 9).. (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) (سبأ: 13).. (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (الملك: 23)..
هم فئة.. الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي.. فيطيعون الله في أوامره ونواهيه مهما كانت المشقة.. (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) (النساء: 66).. (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) (البقرة: 246).
هم الفئة التي عصمها الله عن متابعة الشيطان وطاعته.. (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: 83).. وقد اعترف الشيطان بخسارته أمامهم (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: 62)..
هم أصحاب القلوب النقيّة الأمناء الأوفياء المحافظون على العهد (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) (المائدة: 13)..
هم المصلحون وأهل الصلاح الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والفساد.. (فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) (هود: 116).. ويتحملون في سبيل ذلك ما يلقيه عليهم أهل الضلال من الأوصاف.. (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) (الشعراء: 54)..
هم أهل العلم وطلابه مهما مجّد غيرُهم غيرَه.. ومن ثم فتح الله لهم وأعلمهم ما جهله غيرهم (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) (الكهف: 22)..
هم أهل التذكّر والتفكّر والتدبّر (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل: 62).. (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ) (غافر: 58)
هم القائمون على توحيد الله وعبادته وإتمام فرائضه وصلة الأرحام ومعاملة الناس بالحسنى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ) (البقرة: 83)
فالله - عزّ وجلّ - خلق الكون وما فيه ليستخلص هؤلاء القليل من الكثرة.. ليكونوا أهله وخاصته وساكني جناته.. أمّا التائهون في غمرات الحياة والمفنون أعمارهم في تتبع حطب شهواتها فهم حطب ناره يوم القيامة..
(جعلنا الله وإياكم من هؤلاء .. القليلون في العدد بالحساب.. العظماء عند الله بالأجر والثواب)..

د.محمد العقيد
Instgram: @dr.al_akeed
Twitter: @m_alakeed
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

209.9982
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top