مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

«الحب والزّواج» (1)

د.محمد السيد العقيد
2018/04/01   10:14 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



طريقان فقط يسير فيهما شريكا الحياة لا ثالث لهما، الطريق الأول: وهو الذي يُحدث متاهة الحياة ما بين الذكر والأنثى نظرًا لطبيعتهما المختلفة كلّ الاختلاف، ذلك الطريق هو طريق الحب الرومانسيّ الحالم والأحلام الورديّة التي تسبق الزواج، وغلبة العاطفة الجياشة دون صبغها بنوع من العقلانيّة التي ترأب الصدع الذي يحدث مباشرة بعد الزواج بأيام قليلة، حيث تتنحى الرومانسية جانبًا ويختفي صدى تغريد البلابل خلف الصياح والصراخ المتبادل ما بين متنافسين على الوجه الآخر لهذا الحب الذي يفصح عن نفسه في هذه المرحلة، وهو تنازع السلطة والصراع بمحاولة كل طرف أن يمتلك الطرف الآخر ويضع عليه يد الوصاية..
الزوج يحاول بشدة صوته وقوة عضلاته أن يجعل الزوجة لا تعدو عن كونها امتدادًا لشخصيته أو كونها إحدى متعلقاته حيث خلع عليها اسمه، وأسكنها في بيته، وصرف عليها من فضله..
أمّا المرأة فتحاول جاهدة في هذه المرحلة أن تستخدم كلّ أدواتها في امتلاك الرجل بل وربما في سحب زمام القيادة من يده في بعض الأحيان، وأدواتها في ذلك كثيرة.. فلا تعدم المرأة أن تلوي زوجها نحو رغبتها بوسائل اللين تارة والشدة تارة أخرى، وطريقة (راسي براسك) أنا موظفة وأنت موظف.. أنا كذا وأنت كذا.. وإن نفدت منها الطرق تتجه نحو ما أثقلت به كاهل الرجل من الحقوق والواجبات ثم بعد ذلك الأولاد، وإن نفدت منها السبل تتجه بالامتلاك الخفي الذي تعبر عنه بالغيرة التي تعد نوعًا مستترًا من الاعتقال للزوج، والذي تعبر عنه بأسئلتها المتكررة: أين كنت؟ ومع من؟ ولماذا سهرت وتأخرت؟ ... إلخ. وإن فشلت كل هذه الطرق تحاول السير في اتجاه آخر وهو إثارة غيرة الزوج عليها، ومن هنا تشغل فكره وتسيطر على ذهنه فيكون الاعتقال والسطوة على عقله وجيبه..
والعجيب في الأمر أنّه إذا تمكن أحدهما من امتلاك الآخر فربما لا يقنعه ذلك، فالمرأة التي نجحت في جعل زوجها منقادًا وخاضعًا لرأيها ترجع فيصيبها الملل لأن ما حدث ليس من الفطرة السليمة، فتراها تعود وتتألم وتحتج بأنها تريد زوجًا قويّا يكون سندًا وحامي حماها.. وتتخلى عن مقولة (راسي براسك)... وكذلك الزوج قد يملّ من الطاعة الدائمة والصوت اللين، وتراه يقول تعجبني شخصية فلانة.. شجاعة في رأيها قوية جسورة حازمة مجادلة ذات نفوذ، يا ليت زوجتي كانت مثلها...
غاية الأمر أن هذا الطريق الذي يسلكه الزوجان هو طريق الأنانيّة والصراع.. والنتيجة هو فشل الزواج وعدم شفاعة الرومانسية الفاشلة التي لم يساندها طريق العقل والحكمة، فلا قيمة هنا للصور الذهنية القديمة حيث أضواء القمر وشمس الأصيل وعيون المها ورشاقة الغزال وأصوات الكروان و(شايفه القمر يا ليلى.. شايف النجوم يا قيس)..
فالحاصل ضياع الهدف والتصور الذي كان يتأمله كلا منهما من الحب والزواج، فالزوجة التي كانت تظن أن الزواج بداية حريتها من بيت أهلها تذهب إلى اعتقال أكبر وقيود أكثر وحياة مليئة بالمسئولية والصراع والألم، والزوج الذي كان يظن أن الزواج بداية لانفتاحه على الآخرين يصير مكبولًا بقيود الزوجية وحقوقها وصراعاتها بل ربما اختفى عن أنظار الناس أيامًا يعالج نكباته ويلملم جروحه.. فيكون في عزلة مقيتة وانغلاق خانق.. وقد يأتي التمرّد من كلا الزوجين.. هذا التمرد الذي قد يأخذ أشكالًا سلبية بمحاولة كل واحد منهما التعويض في شخص آخر وقد ينتهي ذلك إلى انحراف يجني كوارث لا تخفى..
أمَّا الطريق الآخر فهو الطريق الذي رسمه الدين الإسلاميّ لنا، وهو طريق المودة والرحمة، حيث تغليب العقل والحكمة، ورؤية الرجل للمرأة بعقلانيّة وكذلك رؤية المرأة للرجل بحكمة، ومعرفة أن الحياة الزوجية لا تقتصر على أشكال الرومانسية الحالمة بل هي مسئولية مشتركة ما بين الزوجين تتضاعف مع وجود أطفال تكون تربيتهم تربية سليمة هي الرسالة السامية لكلا الزوجين، وهنا لا نقول بالبعد عن الرومانسية والعواطف بل ندعو لها بكل قوّة لكن في إطار العقلانية وأخذها في طريق الإيثار والتضحية وإعلاء مصلحة الطرف الآخر.. ورؤية كل منهما الآخر في الشكل الإنساني وليس الملائكي.. فكلنا يخطىء ويصيب ويفرح ويغضب ويهدأ ويتعصب ويصّح ويمرض.. هنا يكون التعاون ما بين الزوجين حتى يصلا إلى درب السلامة والسعادة.

د.محمد العقيد
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

1193.5314
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top