مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أوهن البيوت!

د.محمد السيد العقيد
2017/12/13   09:26 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



عندما قرأت قول الله - عزَّ وجلَّ - (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 41) لم ينصرف ذهني مطلقًا إلى الشكل الظاهريّ الحسّيّ لبناء بيت العنكبوت من خيوط رقيقة واهنة، لأمرين: الأوّل أن خيوط بيت العنكبوت أقوى من الفولاذ لو كان الفولاذ بحجم هذا الخيط، كما أظهرته بعض الدراسات، وكذلك التداخلات الهندسيّة العجيبة التي تم بها بناء بيت العنكبوت المناسبة للحياة واصطياد الفرائس وغير ذلك، والثاني: أنَّه ما كان الله ليلفت النظر إلى هذا الفهم لوهن الخيط وضعفه في صورته التي هو عليها، فالقرآن هو الكلام الإلهي وما اللغة إلا وعاء له، وعلينا أن نبحث عن مراد الله من كلامه بالتفكّر والتبّصر، فقد أمرنا الله بالتدبر ومدحنا بأنَّه قد كرَّمنا (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70).
فذهبت أبحث في بيت العنكبوت وحياته فوجدتُ عجبًا، فهذه الحشرة العجيبة التي يمتد عمر وجودها منذ النشأة إلى حوالي 400 مليون سنة أي 400 ضعف امتداد الإنسان، وإن كانت قد حوت في خلقها عجبًا منها أنَّ أرجلها هي أعضاء التلقيح واللّمس والشّم والّسمع والحركة والتّسلّق.. حيث إنَّ أرجلها تحمل 100 مليون شُعيرة من اهتزازها تقوم بهذه الوظائف.. ومنها كذلك وجود مصنع غزل في مؤخرة بطن العنكبوت يحوي حوالي 50 ألف بكرة غزل في مساحة مليمتر واحد.. يقوم من خلالها بغزل عدة أنواع من الخيوط لها سمك ووظائف مختلفة، منها خيوط لبناء البيت، وخيوط للقفز والطيران، وخيوط للتمكن من تقييد الفريسة، وخيوط إنذار، وغير ذلك من عجائب في خلق العنكبوت لا يحيط بشرحها أسفار العلم إلًا أن الوضاعة والخسّة والخيانة والحقارة وجميع الرذائل والسلوكيات المنحطّة وغيرها من الأوصاف الدنيئة تلفّ بيت العنكبوت وحياته.
فبيت هذه الحشرة المصنّفة ضمن فصيلة العقارب تجد فيه صنوف الغدر والخيانة،فالزوجة تقوم بأكل زوجها لتتغذى على لحمه فترة حضانتها للبيض بعد التلقيح مباشرة إن لم يستطع الهروب ولا يشفع للزوج ما قدمه للزوجة من حشرة ملفوفة كفريسة لتأكلها وتنشغل عنه أثناء تلقيحه إياها، وتجد فيه الأم تأكل أبناءها وهي يرقات إن لم تستطع الصغار الهروب مباشرة بعد خروجها من البيض، وتجد الصغار التي استطاعت الهرب بعد أن يشتد عودها وتقوى تأكل أمّها، ثم تأكل بعضها بعضًا، وتجد الأخ يأكل أخاه، والضيف الداخل على العنكبوت مأكول كذلك مباشرة إن لم يستطع الهرب...
الغدر.. الوقيعة.. التآمر.. القتل.. السرقة.. الخيانة.. كل الرذائل بلا استثناء تجدها في بيت العنكبوت، إضافة إلى ضياع أي صورة من صور الحياة المجتمعيّة لديها، فالعنكبوت حشرة فرديّة لا تعرف التجمع ولا التعاون ولا التضحية ولا الإيثار، فبيته ما هو إلا وكر وكهف لا يعترف بأي قانون أو دستور، أو نظام، سوى قوانين التلصص والغصب والنيل من الآخرين، وغير ذلك من أخلاقيات سيئة وسلوكيات دنيئة.
غرضنا هنا أن نلفت النظر إلى أمرين: الأوّل: أنّ الإنسان عظيم بعقله وتدّبره وفكره وقد أنزل الله له كتابًا يهديه ويرقّيه ويسمو به إلى السماء لو أحسن تدّبره والتأمّل فيه وسار على نهجه بعقلانيّة وتفكّر، فآيات القرآن داعية الإنسان إلى تحفيز طاقاته الفكريّة وما استودعه الله فيه من قوى وأسرار ليس فقط في محيط أرضه بل بالخروج إلى الكون الفسيح أرضه وسمائه لمعرفة قدرة خالقه وإعجازه في ملكوته، قال تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (سورة العنكبوت: 20).
الثاني أن نتأمل الإشارات الإلهية من وراء هذا الوهن المعنويّ لبيت العنكبوت المفهوم من سياق الآية الكريمة التي ختمها الله بقوله (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، وفيه ما فيه من الحكمة الداعية إلى النظر إلى التوجيه الرباني بأن تكون بيوتنا الصغيرة والكبيرة أقوى البيوت وأسعدها بالترابط الأسري بصلة الأرحام، والتعاون المجتمعيّ، والتعايش بالأخلاق الحسنة، وترجمة نفخة الله في الإنسان من روحه تعالى ليكون الإنسان رحيمًا رؤوفًا ودودًا كريمًا كل ذلك وغيره من الصفات التي دعا إليها المولى سبحانه وتعالى في إطار التوحيد له - عزَّ وجلَّ - حفاظًا للمسلم واستقامة لحياته فلا يدخل ضمن من وبّخهم الله سبحانه في قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 41).

د. محمد السيد العقيد
Instgram: @dr.al_akeed
Twitter: @m_alakeed
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

1681.0019
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top