مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

رجعت الشتوية

فرح العبداللات
2017/01/28   08:48 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



تمشي تحت الشتاء..تحت قطرات شتاء, تسقط متناثرة من السماء على السّكان و البيوت المهجورة و الطرق التي ما عادت على قيد الحياة , زخات من عيون السماء تنهمر على من فقدت في دنياها ,تمشي و قد ملىء عقلها بالأفكار و أُثيرت في داخله الحروب ما بين موت و حياة ,ما بين حب و عصيان,ما بين المشي قدما وما بين الرجوع عمرا, تنزل المياه لتسقي الأحياء من غديرها,فهل للموتى حظٌّ في ذلك أيضاً؟ هل يشربون من تلك القطرات ولو القليل ؟ أرادت لو تحمل إناء منه و تجتاح مقابر مدينتها و تسقيهم منها لعلهم يستيقظون ,لعلهم يعودون و يحيون فينا الحياة التي غابت عنا بمجرد غيابهم عن هذه الدنيا, تمشي في الشوارع المظلمة الخالية من البشر, في كل خطوة تخطوها تُنتعش في ذاكرتها ذكرى جديدة و أحداث قد مضت على حدوثها سنوات و سنوات...يا الله ,وكأن فصل الشتاء قد خلق فقط للحنين و الاشتياق,قد خلق للعذاب و الحسرة و الآهات التي تصيح منها القلوب في لياليها, عادت إلى منزلها مُتعبة و ثيابها التي شربت بتشبع من هذه الزخات الكثيفة الهطول, عادت و كانت جميع أجزاء جسدها ترتجف من البرد,من الوحدة,من الحزن, ترتجف من الشتاء نفسه, صنعت لنفسها فنجان قهوة على عجل و جلست مقابل مدفأة الحطب المشتعلة لتعود بوعيها و بعقلها إلى الواقع الذي رحلت عنه لمدة ساعة كاملة, وكم تمنّت أن لا تعود إليه, جالسة على الكرسي بجسدها المرتجف وسط مصابيح قديمة الهيكل كلاسيكية قد ابتاعتها من مزاد علني قبل عام و نصف, لكن ثمة صوت وحيد قد أبعث الدفء و الطمأنينة إلى قلبها والذي احتوى ضياعها وألمها لفراق روح من بين الملايين من الارواح, كان ذلك صوت فيروز.
ما زال صوت فيروز يرافقها في أمسيات الشتاء الطويلة ,ويجعلها تبكي و تبكي بالأخص عند وصولها في أغنيتها بعنوان "رجعت الشتوية " إلى المقطع "يا حبيبي الهوى غلاب,وأنا عم بنطر على الباب " عن أي باب تتحدث,باب قد أغلق بإحكام منذ أعوام ,أعوام قد يُتّمت وما وجدت حضنا آخر يتبناها من جديد,وما استطاعت تقبّل ذلك,واستمرت في البكاء إلى أن نامت على ذلك الكرسي وبتلك الملابس المبللة,وما أقساها من ليلة.
إن الشتاء يجعلنا أكثر قربا إلى أنفسنا و أرواحنا الكامنة في أجسادنا, يشعرنا بوحدتنا في فصله البارد الذي نقرأ فيه كل دواوين الشعر و نشرب فيه كل فناجين القهوة, لتمارس طقوسها في الحزن و الانطواء على الذات و البحث عن خطايا الذات ,وكما قال بودلير الكاتب الفرنسي في يوم "إن الحالمين وحدهم يحبون الشتاء القاسي و يتضرعون إلى السماء بأن ترسل أقصى ما تستطيع من المطر و البرد ,لأن بهذا تصبح أعشاشهم وقلوبهم أكثر دفئاً" بالفعل,فكلما اشتد الشتاء و البرد,كلما التهبت أجسادنا بالحنين و الاشتياق لأشخاص ,مواقف, و نِعمٍ في دنيانا كان قد استردها الله منا بأسرع وقت,وما شبعنا منها إلى أن "رجعت الشتوية" .

فرح العبداللات
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

1410.0023
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top