مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أنا مع وضد

وضاح الرفاعي.. علم كويتي وضح في واشنطن

د. عبدالله يوسف سهر
2015/05/17   10:27 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



هي هكذا سيرة المبدعين الصابرين المثابرين الذين لم يلدوا وفي أيديهم ملاعق الذهب، ولأنهم رفضوا منذ البداية ان يتناولوا الطعام بأيدي غيرهم.هم هكذا، طوال فترة التاريخ الطويل، مكافحون في سبيل النجاة ترفضهم أممهم ويعلي الله شأنهم في أمم أخرى.هم هكذا، غرباء في أوطانهم ولدى أقربائهم في حين تجدهم محاطين بالحب والكرم والألفة عند أقوام أخرى تقدر ما قدموه للحضارة حينما رسموا على ثغرها البسمة الانسانية ببصمة تعبر عن لمسات متعددة المشارب.
الدكتور وضاح الرفاعي الذي رحل والده عن الدنيا قبل أيام ولد تعلو محياه كلمة «لا». لم يقبل وضاح بطأطأة رأسه في مقابل همسة شفاه ذابلة تتكرم عليه بفتات المائدة كي يقبل ويقول نعم.بل كان وضاح يعرف ان «لا» هي الكلمة الصعبة التي لابد من قولها في وقت الصعاب.ولم يقبل وضاح ان يكون جملة عابرة في كتاب غيره بل اختط كتابه بيده لفرضه على دور العلم مقروءا فقط من العلماء.
لست في موقع تسجيل لكلمات اطراء في ذلك لأن ثريا بعلمه مثل الدكتور وضاح لا يعبأ بمثلها، بل أنا بصدد حالة تضامن مع رفضه لحالة البؤس والخنوع والاستجداء على أبواب «المتطهرين الأوائل».
أنا بالفعل أريد ان أصف شموخ قامة كبيرة ارتفعت في مجتمع متنافس ليس للواسطة أو الدم الأزرق مكان فيه.ذلك المجتمع الأمريكي العلمي المكتظ بحشود من المبدعين الذين توافدوا من شتى البقاع لكي يقفوا صفا واحدا في مضمار العلوم ويقبلوا ان يكون الحكم بينهم قائما على ما يستطيع ان يقدمه كل واحد منهم للبشرية.. هنا استطاع الدكتور وضاح ان يعلن عن استعداده للوقوف في ذلك الصف التنافسي ليعدو ثم ليثب الى المقدمة بجدارة.
حينما تخرج من دبلن وكان من ضمن العشرة الأوائل لم يكتف بذلك بل اعتبرها صفارة انطلاق التسابق ما جعله يستكمل تخصصه في أرقى المؤسسات العلمية في مدينة سان دييغو، ثم وبعد ان قطع الشوط الأول متقدما على نظرائه تم طلبه في أفضل مصحات العالم الشهيرة وهي مركز أم دي أندرسون لأمراض السرطان في ولاية تكساس كي يكون متبارزا مع نخب الجراحين الاكلينيكيين، فاستطاع ان يضع اسمه في مقدمة أفضل العلماء في دراسات وأبحاث لها قيمتها العلمية. ولأنه متميز طلبته جامعة كورنيل في قطر لكي ينضم الى طاقمها الأكاديمي لكنه رجع للكويت بسبب انتهاء مدة التدريب وكذلك لشغفه بأن يكون في صفوف نظرائه الكويتيين.احتضنته وزارة الصحة ولكنه كان عاشقا للبحث كما هو مغرم بالتطبيب وذلك لقناعته الراسخة بأن العلاقة الجدلية بين البحث والتطبيق لا انفصام لها، لذلك طرق باب جامعة الكويت ووقف عنده طويلا وعندما لم يأته جواب عمد مرغما لسداد ما عليه من مبالغ لوزارة الصحة التي ابتعثته. ذهب الى هذا السبيل كي ينال حرية التسابق التنافسي في مكانه وموعده الصحيح في ذلك المضمار الذي ليس فيه واسطة ولا دماء زرقاء.وفور ذلك التقفته جامعة مانيسوتا كي ينظم لطاقمها المتميز منافسا وليس متعلما.ونظرا لعلو صيته العلمي وليس الاسمي أو الصوتي أتته جامعة جورج تاون ترنو اليه باحثة عنه في وسط زحام المبدعين كي ينشئ قسم الجراحة فوقع الاختيار عليه ليمنح مقعد جون ديلون، ثم مرة أخرى يتألق ويزهو ويغرس علما كويتيا على هضبة واشنطن مسجلا رقما صعبا جدا في مضمار التسابق الشريف.
لماذا نجح الدكتور وضاح في خوض غمار تجربة صعبة وجريئة ومنهكة جدا نالت منه فراق أكثر من عز عليه حبا وشغفا والده رحمه الله وأمه العالمة المصونة أطال الله في عمرها.الجواب صعب ولكنه مختزل بقدرته على قول كلمة «لا» والصمود عندها قانعا بقدراته الذاتية التي صنعت تاريخه، ولم ينتظر التاريخ كي يصنعه.لقد صنع قصته بنفسه ولكنه لم يكتبها بل ترك تدوينها لتلك المحافل والمؤسسات العالمية التي جعلته بطلها في صفوف المتميزين.
لم تغب تلك المنارة المشعة بأنوار العلم عن ناظري سمو الأمير حفظه الله ورعاه فأشار اليه بتلك اللفتة الرائعة التي حملت عبق الكويت الأصيلة.كم هي لمسة كريمة من صاحب السمو حينما يضع يده على كتف من قدم للكويت وللانسانية عطاءً وتميزاً.لا شك ان تلك اللمسة لاتزال تتراتب على كتف وضاح وتذكره بأن له محبين كثيرين في وطنه يدعون له بالتوفيق ويدعونه كي يكون عندهم حين يقرر هو ذلك.
وأخيرا، كم من وضاح لدينا في الكويت؟ لا شك هم كثيرون بعضهم من اختار ان يختلي مع نفسه في أقصى بقاع العالم كمثيله في الصين ليكتب رواية شرقية، وآخرون لايزالون في الوسط في الكويت يكابدون الحياة ممن أساليبهم لم تختلف كثيرا عما يفعله المتطهرون الأوائل.
كم من واحد استطاع ان يقول «لا» مثلما قالها وضاح، ونال شرف الموقف وعزة الشأن؟ أعلم بأنهم موجودون لكنهم تاهوا من عندنا في وسط ملوثات سياسية صنعها المطففون الذين بخسوا الناس أشياءهم ابتغاء ان يصنعهم التاريخ.

د.عبدالله يوسف سهر
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

500.0015
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top