مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

طرف الخيط

هل تختفي الابل.. من جزيرة العرب؟

خليل علي حيدر
2015/05/13   11:30 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



ان كان ما ورد بخصوص أصل الجمل في الموسوعة البريطانية دقيقاً ومتفقاً عليه، فلاشك أنه من أعجب الحيوانات! وتقول الموسوعة: ان بداية ظهور الجمل كانت في القارة الأمريكية الشمالية، وذلك قبل أربعين مليون سنة، ومنها وصل الى أمريكا الجنوبية وبقية العالم قبل مليون سنة فقط.وقد يعني هذا ان الجمل كان في الواقع أول مركبة أو «سيارة أمريكية».. تُصدر الى الخارج! الجمل، كما يقول باحث في كتاب متخصص: «يفتقر تماماً الى أي ميزة دفاعية ضد الضواري مع خفيه الطريين، وعدم قدرته على الجري برشاقة، ويعتمد في بقائه حياً على عيشه في مناطق نائية والتردد نادراً فقط على منابع الماء، حيث يمكن للأسود أو حيوانات أخرى مهاجمته».(الجمل والعجلة، ريتشارد بوليت، أبو ظبي 2009، ص 62).
ويبدو ان الجمل ذا السنامين هو الأصل، ذلك ان جنين الجمل أحادي السنام يمر بمرحلة يكون له فيها سنامان، ويضيف «بوليت» Bullit نفسه، ان الجمل أُحادي السنام لا يستطيع العيش في مناخ بارد أو رطب، فيما لا يمكن للجمل ثنائي السنام التأقلم مع مناخ شديد الحرارة.واذا كان الجمل أُحادي السنام قد تطور من جمل ثنائي السنام، يبدو محتملاً ان ذلك حدث في شبه الجزيرة العربية، حيث يوجد في المناطق الصحراوية كحيوان شائع متأقلم تماما لا يعرف الخوف نسبيا، نظرا الى عدم وجود مفترسين عدا الانسان، في حين يعيش الجمل ثنائي السنام في بلاد ما بين النهرين بأواسط آسيا وفي الاناضول وايران والاراضي الابعد شرقا كحيوان حقول.
يسير الجمل، تقول الموسوعة البريطانية مسافة 10-8 اميال كل ساعة لمدة 18 ساعة! وقد يحمل ما زنته 500 رطل يسير بها 25 ميلا كل يوم لمدة ثلاثة ايام دون حاجة لشرب الماء، وقد يفقد ربع وزنه بسبب التعرق ولكنه يستعيد الوزن المفقود في عشر دقائق، بعد شرب 25 جالون ماء، ورغم ذلك يستطيع الجمل احيانا البقاء 17 يوما من دون شرب ماء.
الجمل حيوان صبور قنوع، يقتات على النباتات الشوكية والحشائش الجافة التي ترفض الحيوانات الاخرى تناولها، واذا توافر الغذاء الجيد قام بتخزين الفائض في سنامه من دون جشع او بطر.
لقد تم استئناس الابل في الجزيرة العربية منذ نحو خمسة آلاف سنة ومنذ ذلك الحين باتت للكثيرين من ضرورات الوجود في هذه البيئة، «اذ يمكن الاستفادة من الجمل بحلبه، او ركوبه، او تحميله بالسلع، او تناول لحمه، او ربطه الى محراث او عربة، او المتاجرة به من اجل السلع والزواج، او عرضه في حديقة حيوانات، او تحويل جلده الى احذية ووبره الى معاطف» (بوليت، ص67).
ويظن الكثير منا ان الجمل «يخزن الماء» غير ان الباحث «بوليت» استاذ التاريخ في جامعة كولومبيا الامريكية ينفي هذا قائلا: «لا تخزن الجمال الماء كما يظن الناس وانما تحفظه بطرائق متعددة، والشيء بالغ الاهمية بالنسبة الى الجمال التي تعيش في اجواء حارة جدا هو قدرتها على تحمل الحرارة بالسماح لدرجة حرارة دمائها بالارتفاع من دون ان يؤثر ذلك سلبا فيها، اكثر من ست درجات فهرنهايت في سياق يوم حار قبل ان تبدأ التعرق كثيرا»، ويعمد الجمل تقول الموسوعة، الى اكسدة شحم السنام لانتاج حاجتها من الماء.
هل الانسان العربي فخور بالجمل؟ يقول بوليت: «تعد الجمال جزءا من الصورة النمطية الغربية عن الشرق الاوسط وشمال افريقيا.لحسن الحظ الجمال منيعة على محاولات تشويه سمعتها والاقل سعادة هو الشعب العربي الذي ابتلي بربط غير عقلاني في الذهن الغربي لهويته مع هذا الحيوان، ويمتلك معظم العرب المثقفين اليوم معرفة بسيطة، او ليست لديه معرفة اطلاقا عن الجمال وهم حتى اقل ارتباطا بها، ونظرا الى ان الغرب يعتبر ان الجمل يبعث على السخرية، فقد اصبح العديد من العرب يعتبرونه رمزا للتخلف، وهو رمز ساهم كثيرا في رسم صورة سلبية عن العرب في الافلام والادب والاعلان والصحافة وغيرها».
تزخر قواميس اللغة بالكلمات المتعلقة بالابل، ومن ابرز هذه القواميس مثلا «المخصص» لأبي الحسن الاندلسي المعروف ب «ابن سِيدة» المتوفى سنة 458ه، وتشمل الكلمات أسماءها وتكاثرها وصفاتها واسنانها ونعوتها وحلبها واوبارها واصواتها وغير ذلك، في 175 صفحة من صفحات المعجم، ورغم ان الحديث النبوي يشير الى الخواص العلاجية لبول البعير، الا ان مكانة الخيل في السنة النبوية اعلى بكثير (انظر فهرس مفتاح كنوز السنة للدكتور فنسنك).
ومن الذين انتقدوا بعض الجوانب اللغوية في تراثنا المؤرخ المعروف أحمد أمين الذي يقول ان الكلام على الابل وما يتعلق بها استغرق 176 صفحة عدا ما ذكر في معجم «المخصص» متفرقاً في مواضع أخرى، على حين ان السفينة استغرقت منه اقل من سبع صفحات، «فأنت اذا قلت ما ورد في كلام العرب مما يتعلق بالابل جزء من سبعة عشر جزءاً من مجموع اللغة العربية، لم تكن بعيداً عن الحقيقة، وهي نسبة جد كبيرة، ولكنه الجمل، عماد الحياة العربية البدوية» (فجر الاسلام، ص48).
امتلأت دواوين العرب بذكر الابل والنياق، وعجّت كتب الأمثال بالاشارة اليها، ولكن هل الناس تدرك حقاً الدور الحضاري للجمل، اذ قام بدور بالغ الأهمية في عبور الصحاري وتعارف البشر وفي التبادل التجاري والحضاري، وفي الحرب والسلام.
وقد خدم الجمل العرب والفرس والأتراك والهنود، وبعض شعوب أفريقيا على الرغم من أنه لم يعرف يوماً الدلال والشبع كالخيل مثلاً، بل كان طعامه الشوك والنباتات الصحراوية الجافة والمرّة وغير ذلك.
وما ان يكبر في السن أو يمرض أو يقع له عارض او يصل الى الخيمة والبيت ضيف او تحل مناسبة دينية أو وطنية، حتى يكون الجمل أول من يتم نحره والتهام لحمه! اكتشف العسكريون منذ فترة ليست بالقصيرة القدرة البدنية الهائلة للابل للجر والنقل في الاستعدادات اللوجستية.وقد فضّل ضابط النقل في الجيش البريطاني الرائد «آرثر جلين ليونارد» الجمل على البغل وكتب سنة 1894 ان الجمل مقارنة بالبغل «-1 يمتلك قدرات أكبر على الامتناع عن الغذاء والماء.-2 يحمل ضعف الكمية.-3 يتطلب سائسين أقل.-4 ليس بحاجة الى حدوات أبداً.-5 يحمل ضعف الكمية.-6 يمكن تربيته بأعداد وسهولة أكبر.-7 يتطلب نفقة أولية أقل.7- يتطلب نفقة رعاية أقل».(بوليت، ص 51، عن Arthur glyn leonardm the camel: its uses and management London، 1894، p، 291) ويقارن قائد عسكري ثان بين «جمل الحمل» و«عربة الثور»، في اقتراح لادخال الأول الى جنوب افريقيا عام 1927، فيقول ان الجمل يجر ضعف الكمية، وأسرع في التنقل، ويستطيع القيام برحلات أكثر في سنة وخلال مدة حياته، ولا مشكلة لديه في خوض الأنهار حيث بنبغي تفريغ حمولة العربات، ويعمل ويعيش مدة اطول بأربعة اضعاف، وأكثر تحملاً للجوع والعطش، كما يمتلك قدرة تحمل وثبات أكبر (ص 52).
وعلى الرغم من كل هذا التاريخ، والواقع الحافل بالصبر والتحمل والعطاء، تواجه الابل في العالم العربي اليوم مخاطر جديدة! فقد صرّح وكيل وزارة الصحة السعودية لشؤون الصحة الوقائية د.عبدالله عسيري، بأن «%90 من ابل بلدان الخليج مصابة بفيروس كورونا».وأشار الى ان %50 من الجمال في منطقة الاحساء شرق المملكة، تحمل «كورونا» في افرازاتها التنفسية، مؤكداً ان «الشخص الذي خالط الجمال المصابة بالرشح معرض لنقل الفيروس الى أحد أفراد أسرته من دون ان تظهر عليه أعراض».
وقد أكد د.عسيري في الوقت نفسه «أن الحديث عن ابادة الابل خيار غير منطقي لأن ارتباط الجمل بالرجل العربي منذ عهد قديم ولايزال».(الجريدة الكويتية، 2015/2/25) المطلوب تطوير لقاح للفيروس وتكثيف الأبحاث «فهذا هو الحل الأمثل»، كما جاء في تصريحات عسيري، ولكن أين نحن حتى في مجال تطوير أي أدوية أو لقاحات لأمراض هذا الصديق الوفي الذي اعتمدنا عليه لقرون طويلة؟ أمريكا التي ظهرت فيها الابل لأول مرة قبل ملايين السنين، وهاجرت منها كما يقال منذ مليون سنة، مطالبة اليوم كذلك، بالبحث عن لقاح يحميها.. من الانقراض.اننا نهمل صديقنا في مرضه!

خليل علي حيدر
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

249.9984
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top