مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أفكار وأضواء

عن الديموقراطية.. الليبرالية

خليل علي حيدر
2015/04/30   10:48 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



هل ستكون مصر القادمة دولة ديموقراطية ونظاماً ليبرالياً بشكل كامل، أم ستتغلب على اقتصادها وسياساتها الاجتماعية، بعض أشكال هيمنة الدولة والمركزية والحلول الوسطية التوفيقية؟ ما الدروس التي تعلّمها المصريون من تجربتهم الخاطفة مع حكم «الاخوان»، وما الذي سيقوم به الناخب المصري كي يضمن عدم عودة الاخوان و«الشموليين»، من شباك الانتخابات الديموقراطية الحرة القادمة، بعد ان تم اخراجهم من «باب 30 يونيو»؟ كنت في يناير 2014 أزور معرض الكتاب بالقاهرة، وكانت لي محاولات بحث مع بقايا كتب وكتيبات «سور الأزبكية» في المعرض..فكان بعضها لحسن الحظ..مثمراً! وكم سعدت عندما التقطت كراساً دسماً بعنوان «عن الديموقراطية الليبرالية: قضايا ومشاكل»، صادراً عن دار الشروق قبل عشرين عاماً في 1993، والذي أثارني في الكتيب ليس التركيز والعرض الشيق والاحاطة شبه الكاملة بهذا الموضوع العريض فحسب، بل وكذلك لأن مؤلف البحث وكاتبه هو رئيس وزراء مصر السابق في الحكومة المؤقتة، الدكتور «حازم الببلاوي»! وسنحاول في مقال أو أكثر ان نعرض للقارئ معالجة د.الببلاوي لمسألة الليبرالية، لتكون هذه مقدمة لتناول كتب ومفكرين آخرين ممن أشادوا بالديموقراطية الليبرالية أو انتقدوها في العالم العربي بمختلف التجارب والمشارب.
ففي المكتبة العربية اليوم كم هائل من الكتب والمقالات حول الليبرالية ومدارس الديموقراطية ومشاكل تطبيق كل منهما في بلدان الغرب وآسيا كاليابان والهند.وفي الشارع العربي، وبين المثقفين العرب، انقسام ملحوظ حول جدوى الليبرالية، وقدرة الديموقراطية على حل مشاكل العرب، ومدى تآلف المبدأين مع ثوابتنا الكثيرة.
وليس بمستغرب ان يبدأ اهتمام العالم العربي على نطاق واسع بالليبرالية بعد عام 1990 خاصة ان يكتب الببلاوي وآخرون الكتب والمقالات حولها.ففي عامي 1989 و1990 بدأ تفكك الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، وفي السنة نفسها اعتدى نظام صدام حسين في العراق على جاره الجنوبي، مشعلا أزمة عالمية وحرباً كبرى، ومثيراً على الصعيدين الاعلامي والفكري، نقداً واسعاً للأنظمة الفردية والدول التي يتحكم بها حكام مستبدون طغاة.وبذلك تجدد اهتمام الاعلام والمثقفين العرب خاصة بمبدأي الديموقراطية والليبرالية وما يتعلق بهما.
يقول الببلاوي في مدخل بحثه: «لقد أصبحت الديموقراطية قضية الساعة في عدد كبير من الدول، ومع ذلك فلعله لا يوجد اصطلاح امتهن وتعددت استخداماته كما حدث لمفهوم الديموقراطية.فها هي الديموقراطيات الشعبية أو الجماهيرية التي قامت بزعم مجاوزة شكلية الديموقراطية الليبرالية ومن أجل تحقيق الديموقراطية الحقيقية، فاذا بها تكشف عن وجهها السافر، فلا هي ديموقراطية كما لم تكن شعبية أو جماهيرية.وفي الوقت الذي يزداد فيه الانبهار بالديموقراطية والليبرالية في المجتمعات التي عاشت في ظل النظم الشمولية والقهر والاستبداد، فاننا نلمح بعض مظاهر الملل والقلق في الديموقراطيات الغربية العريقة نفسها.
كذلك فقد وجدنا ان محاولات بعض تلك النظم الشمولية السابقة من أجل التحرر واقامة الديموقراطية قد تمخضت عن حالات من الفوضى والعنصرية والبربرية التي تكاد تختلط بالقبلية القديمة. «كما يحدث في بعض دول وسط أوروبا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق».(ص7).
استغرقت أفكار الديموقراطية الليبرالية سنوات عديدة لتنضج في التجربة الأوروبية.وعندما قامت الثورة الفرنسية في عام 1789 بعد الثورة الأمريكية عام 1776، كان الاعتقاد المنتشر ان الطريق أمام الديموقراطية قد فتح الى غير عودة، واذا بالقرن التاسع عشر يحفل بالدعوات الشمولية.
ثم جاء القرن العشرون، فظهرت الفاشية والنازية وديكتاتورية ستالين.غير ان السذاجة الانسانية بقيت مستمرة، حيث كتب «فوكوياما» مقاله الشهير عام 1989 عن «نهاية التاريخ والانتصار النهائي» لليبرالية بشقيها الاقتصادي والسياسي.
وكثيراً ما تنصرف أذهاننا لدى التفكير في مجريات هذه المرحلة الى تطور مجريات الأحداث في أوروبا الشرقية خاصة بعد 1990، ولا نقف مطولا عند سقوط أنظمة «الاستبداد اليميني» في العقدين السابقين.ففي 1974 سقط نظام «شالازار» في البرتغال، وتبعه نظام فرانكو في اسبانيا عام 1975، كما عرف نفس المصير نظام العسكر في اليونان عام 1974.وعرفت أمريكا الجنوبية أو اللاتينية، الشهيرة بانقلاباتها وديكتاتورياتها تساقطاً متتابعاً في الأرجنتين عام 1982 وأوروجواي عام 1983 والبرازيل 1984 وتشيلي 1990..الخ.
وانتقلت الموجة الى آسيا، وسقط نظام كوريا القوي في 1987، وسبقه في السقوط نظام كمبوديا الغاشم.وسقط كذلك نظام جنوب أفريقيا العنصري واعلن عن دستور جديد واطلق سراح الزعيم «منديلا» في 1990.وسقط بين الساقطين نظاما الحكم في اثيوبيا واليمن الجنوبي وغيرهما.
وتعززت الظروف الدولية لمصلحة انتشار الديموقراطية الليبرالية بعد سقوط الأنظمة اليمينية والانقلابية بالانهيار الكبير في بلدان المعسكر الاشتراكي، وتحول روسيا نفسها وجمهورياتها بعيداً عن الاشتراكية، والتوجه نحو الديموقراطية.
والحقيقة ان الأفكار الشمولية والمناهج الاشتراكية كانت قد سادت طوال القرن العشرين تقريباً وبخاصة في العالم الثالث والبلدان العربية والاحزاب الاشتراكية والقومية والاسلامية، حيث وضع مرشد الاخوان المسلمين في سورية كتابه المعروف «اشتراكية الاسلام» الذي سنقدمه للقراء في مقال قادم.
وبلغ من هيمنة الأيديولوجيات على الواقع السياسي العالمي ما جعل بعض الكتاب، مثل «جان فرانسوا ريفل»، يقول في عام 1983، ناعياً الديموقراطية، انها «لا تعدو ان تكون صدفة تاريخية أو جملة اعتراضية في تاريخ البشرية لن تلبث ان تختفي».بينما رأينا «فوكوياما» يعلن على النقيض، وبالصوت العالي «الانتصار النهائي لليبرالية».
ثمة ارتباط شديد بين الليبرالية والديموقراطية، بل ان اسمها مشتق في الواقع من معنى الحرية، ومع ذلك فان الليبرالية تستند الى مفهوم خاص للحرية، اتضحت معالمه بوجه خاص ابتداءً من القرن السابع عشر، ف «الفكر الليبرالي»، كما يوضح الببلاوي، «ليس فقط دعوة الى الحرية، ولكنه بالدرجة الأولى دعوة الى الفردية، واحترام مجال خاص يتمتع الفرد فيه باستقلاله وحريته من دون تدخل أو ازعاج..وهكذا نجد ان الفكر الليبرالي، وان كان يستند الى الديموقراطية، فانه لا يرى فيها ضماناً كافياً، بل لابد ان يصاحب ذلك الاعتراف بحقوق الأفراد على نحو لا يجيز المساس بها، ومن هنا فان الديموقراطية الوحيدة التي تتفق مع الفكر الليبرالي هي الديموقراطية الدستورية، أي التي تضع حدوداً لحماية الأفراد في أموالهم وحرياتهم».
واذا كانت الليبرالية تقدس الفردية الى هذا الحد، فما موقفها من «أهداف المجتمع» أو «رسالته»؟ يقول د.الببلاوي: «الفكر الليبرالي يرفض الأفكار الموروثة والتي ترى ان للمجتمعات غايات محتومة، غيبية أو غير غيبية، وأن الفرد مُسخّر لتحقيق هذه الغايات.وعلى العكس فان الفكر الليبرالي يرى ان الفرد هو اللبنة الأولى، وهو الأساس في المجتمعات، وأن هذا الفرد يسعى الى تحقيق ذاته والسعي المستمر وراء غايات وأهداف خاصة متغيرة دوماً».
وفي هذا، كما هو واضح، تعارض كامل مع «المذاهب الجماعية»، حيث ترى هذه المذاهب، «أن للمجتمع غايات وأهدافاً».
ما الأسماء الفلسفية البارزة في تاريخ تبلور الليبرالية؟ كان «توماس هوبز» الانجليزي Hobbes من أوائل من أرسوا مبادئ المذهب الفردي.فالغرض من الجماعة عنده، وأساس وجودها، هو حماية حقوق الأفراد من اعتداء الآخرين، أو «حرب الجميع ضد الجميع».غير ان جوك لوك Locke، وهو انجليزي كذلك، «هو المؤسس الحقيقي للمذهب الليبرالي في دفاعه عن الملكية الدستورية بعد الثورة الانجليزية»، حيث اتضحت وظهرت لديه فكرة الحقوق الطبيعية للأفراد، التي يستمدونها من القانون الطبيعي السابق على القوانين الوضعية التي طورها الانسان.ولما كان هذا القانون طبيعياً فانه يفرض نفسه على الجميع، ويقيد المشرع بقيود دستورية لا يستطيع تجاوزها، ومن هنا لا يمكن المساس بحريات الأفراد وحقوقهم الأساسية و«لو باسم الاغلبية».
وهذه نقطة بالغة الأهمية، فعلى الرغم من قدسية فكرة الاغلبية وثقلها السياسي في الديموقراطية، فان هذه الأغلبية لا تستطيع وضع تشريع يمس حريات الأفراد مثلاً أو حقوقهم الأساسية، باسم «ارادة الأغلبية»! وأساس هذا الموقف الليبرالي عند جون لوك، ان العقد الاجتماعي «ليس تنازلا من الأفراد عن السيادة للسلطان، بقدر ما هو اتفاق بين الجميع في اطار القانون الطبيعي».وهذه هي فكرة الديموقراطية الدستورية.
وفي هذا يختلف موقف «لوك» من الديموقراطية عن «جان جاك روسو» مثلا، الذي طرح فكرة «الارادة العامة» للشعوب، والتي باسمها تفرض كافة الأحكام والقوانين من دون أي قيد أو رادع.
فيمكن، انطلاقاً من أفكار «روسو»، فرض ديكتاتورية الأغلبية والارهاب الثوري، «فلا محل لحقوق الأفراد عند روسو»، كما يبين د.الببلاوي، ويقع «هوبز» في منطقة وسطى بين لوك وروسو، فهو في موقف مختلط، لا يطالب بالديموقراطية بل ويدافع عن الاستبداد، الا انه عندما يبدأ تحليله من نقطة الاعتراف بالفردية وحقوق الأفراد كأساس للمجتمع..يقترب من الأفكار الحديثة.
فيظل «لوك» (1704-1632)، هو الممثل الحقيقي لليبرالية، حين يجمع بين الديموقراطية وحقوق الأفراد.فالديموقراطية عنده لا تطلق العنان للأغلبية وانما تقيدها بقيود دستورية من حقوق الافراد في المشاركة في الحكم، ولكنها وبنفس القوة تضع القيود والضوابط على حكم الاغلبية وكافة السلطات.
ويلتفت «لوك» الى الاقتصاد، فهو ضد احتكار الدولة او غيرها للملكية، فالحرية عنده تتطلب تنوع الملكيات، وتصبح الملكية الخاصة شرطا لحرية الافراد، و«هكذا نجد لدى لوك مبدأين اساسيين من مبادئ الليبرالية واللذين استمرا معها الى وقتنا الحاضر، الا وهما فكرة دولة القانون من ناحية، وفكرة اقتصاد السوق القائم على الملكية الخاصة من ناحية اخرى».
والى جانب هؤلاء الثلاثة، لوك وهوبز وروسو، ساهم عصر التنوير بمفكريه الانجليز والفرنسيين في دفع الافكار الليبرالية وتطورها وتبلورها، وكانت أسماء مونتسكيو وكندرسين وفولتير وهيوم ممن ساهم بدرجات متفاوتة في تأكيد هذه التقاليد الليبرالية، ومع ذلك يؤكد د.الببلاوي «تظل المدرسة الاسكتلندية في التنوير هي الاساس في اعطاء الليبرالية شكلها المتكامل، وخاصة مع ديفيد هيوم وآدم سميث، وكتابات «جون ستيوارت ميل» عن «الحرية»، تمثل العمدة في الفكر الليبرالي».
ولم تكن بلورة الليبرالية وانضاج مفاهيمها الهم الوحيد لهؤلاء، فهم جميعا من اعلام الفكر في اكثر من مجال.
يتحدث «رونالد سترومبرج» في تاريخ الفكر الاوروبي الحديث 1977-1601 عن بعض هؤلاء فيقول ان «هيوم» انتهى في كتاباته السياسية الى محاولة البحث عن «علم» للسياسة، اسوة ببقية العلوم، و«لكنه سرعان ما قرر ان الظواهر السياسية لا يمكن لها ان تقدم لنا قوانين كالقوانين الرياضية، وانه لذلك ينبغي اشتراع جميع القواعد والسنن السياسية بحذر شديد، وقد اتفق مع مونتسكيو على طرح نظرية العقد الاجتماعي جانبا واعتبارها خيالا، مضيفا الى ذلك انها لم تكن حتى خيالا ضروريا للناس».
ومن اطرف آرائه في مجال نفي ضرورة العقد الاجتماعي اعتقاده بأن «الناس يستطيعون العيش وبصورة جيدة، من دون ان تكون لهم حكومة، واعتقد هيوم بأن الهنود الحمر الامريكيين قد برهنوا على ذلك» (ص224).
والآن كيف بدأ الغربيون تطبيق الافكار الليبرالية؟

خليل علي حيدر
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

281.2489
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top