مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

نزاعات العصبية

عبدالله خلف
2015/03/12   12:13 ص

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



جاء في كتاب المستطرف، انه لما مات بعض الخلفاء المسلمين، اختلف الروم، واجتمعت ملوكها، فقالوا الآن ينشغل المسلمون بعضهم ببعض، فتمكننا الغرة منهم والوثبة عليهم..وعقدوا لذلك المشورات واجمعوا على أنها فرصة ثمينة.وكان رجل منهم من ذوي العقل والمعرفة غائبا عنهم، فقالوا من الحزم عرض الرأي عليه، فلما اخبروه بما اجمعوا عليه قال: لا أرى ذلك صوابا، فسألوا عن علة ذلك فقال امهلوني الى الغد لاخبركم..فلما اصبحوا اتوا اليه وقالوا قد وعدتنا ان تخبرنا في هذا اليوم بالرأي فيما عولنا عليه..فقال سمعاً وطاعة، وأمر باحضار كلبين شرسين كان قد اعدهما ثم حرش بينهما، فتواثبا وتناهشا حتى سالت دماؤهما..فلما بلغا الغاية، فتح باب غرفة جانبية خرج منه ذئب شرس كان قد اعده لهذا الأمر، فلما ابصره الكلبان، تركا ما كان فيه، وتألفت قلوبهما فوثبا على الذئب عضا ونهشا حتى قتلاه.
فاقبل الرجل على صحبه فقال مثلكم مع المسلمين وكان يقصد أهل السلطة من الروم مثل الكلبين مع الذئب..ثم قال:
لايزال الهرج بين المسلمين ما لم يظهر لهم عدو، فاذا ظهر تركوا العداوة بينهم وتآلفوا على العدو حتى يخرجوه من أرضهم وينتصروا عليه..هنا استحسن الجمع رأيه فتجنبوا العرب.
وصف ابن خلدون في مقدمته النزاعات بين القبائل والعصبية وتنافسهم على كسب السلطة وانتزاعها من القوة الاضعف واتفاقها امام المخاطر الخارجية..ويرى ابن خلدون ايضا ان حالة العرب حالة اجتماعية طبيعية يمر عليها الانسان في نشوئه وارتقائه، وانهم لطبيعة التوحش الذي هم فيه اهل انتهاب وعبث، ينتبهون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر..وهم اصعب الامم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والانفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع اهواؤهم، من اجل ذلك لا يحصل لهم الملك الا بصيغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة..لذا عندما تطلع الغرب الى ارض العرب اتصلوا برموز لهم فادعوا انهم يتحدرون الى بيت النبوة حتى شمل هذا النسب الكثير من حكام العرب.
جاء في كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ قوله: هم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الاخلاق والتهيؤ لقبول الخير..وفي موضوع آخر من الكتاب المذكور «ص127»: هم اقرب الى الشجاعة لانهم قائمون بالمدافعة عن انفسهم، لا يكلونها الى سواها، ولا يثقون فيها بغيرهم، فهم دائما يحملون السلاح ويتلفتون لكل جانب في الطريق، وقد صار لهم البأس خلفا، والشجاعة سجية ونجد أهل البادية اشد بأسا من قاطني المدن.
وقول ابن خلدون ان العرب ترتقي حالهم مع الزمن مع نظرية النشوء والارتقاء التي ذكرها قبل الغربيين، ولو عدنا الى الثورة الفرنسية في كتاب التاريخ والافلام لرأينا اناساً متوحشين حفاة وملابسهم رثة يتهافتون لنهب الاخرين ويسطو بعضهم على بعض ثم تحول الشعب الفرنسي الى شعب مثالي في سلوكه واخلاقياته ونظامه..وهكذا كانت الشعوب الاوروبية في القرون الوسطى حتى سلكت دروب الحضارة..وتمثلت وحشية الشعوب الاوروبية عند نزوحهم الى العالم الجديد الى امريكا عندما تجردوا من انسانيتهم في ملاحقة الهنود الحمر الشعب الاصلي وابادتهم كالحيوانات واشد.
والنظام العراقي السابق عزل شعبه عن اصوله الحضارية واذاقه الحرمان.
اما امريكا فلم تعرف طباع ونفسية الشعب العربي وخاصة الشعب العراقي الذي يختلف مع بعضهم وتتأزم علاقته حتى يتصور المتتبع لاموره من الخارج ان هذا الشعب قد كتب عليه الضباع ويمكن لأي متدخل ان يقتاده.دخل الامريكان فوجدوا في الايام الاولى من يرحب بهم وما ان تقدمت الايام حتى تصاعدت الاحتجاجات وظهرت المقاومة، على اثر الاخطاء الجسيمة التي ارتكبها الامريكان وحلفاؤهم، سُرح الموظفون من اجهزة الدولة لابعاد البعثيين عنهم وغاب عن حسبتهم ان المواطن ما كان له لكي يقبل في عمل الدولة الا من بعد ان يعلن انتماءه للحزب، فيدخل الحزب لا اعتقادا به بل من اجل اكتساب معيشته.
لذا فان الحكومات الانقلابية ما ان يسقط رئيسها ميتاً أو مقتولاً حتى تجد القاعدة السياسية العريضة تتهشم بسرعة..ويأتي زعيم آخر فيخلق حزباً حكومياً آخر فتجد السابقين يغيرون انتماءهم من وضع الى آخر.
الشعب العراقي عزل لعدة عقود عن المشاركة السياسية وعن الديموقراطية، فالآن هب بعد سقوط نظامه السابق الجائر يريد ان يسقط كل جدار مقام امامه..ومن اخطاء الحسبة الامريكية ان سرح الجيش والشرطة وقطعت ارزاق العاملين بهما لشهور فتحركوا للتعبير عن عزلتهم وانقطاع رواتبهم..ومن اجل العيش تحالفوا مع القاعدة وفروعها.
المسلمون عندما احتلوا بلدانا لنشر الاسلام كانت من التعاليم التي وجهت اليهم الا يزاحموا الشعوب في حياتهم لذا شيد المسلمون مدنا في الصحراء خارج المدن كالبصرة والكوفة والفسطاط.
الامريكان دخلوا المدن والقرى واقتحموا المنازل يفتشون الملابس ويظهرونها بالصور، وجرى التفتيش على الافراد بمن فيهم النساء فأثار ذلك غضب الشعوب.
ومن مظاهر التفتيش الجائر رفع العقال وهذه اهانة لا تغتفر عند العرب ولو علمها ابن الشخص صاحب العقال لقتله ويطلق على العقال الشرف لذا لا يمسه احد ولا ينزله او يحركه الا صاحبه.
ومن الحسبة الخاطئة ان طائرة حربية قد هبطت الى مستوى عمود مثبت فيه راية خضراء يتخذها الشعب رمزاً للتبرك وعندما نزعت الطائرة هذه الراية اثارت غضب المدينة المقدسة، كل هذه الاجراءات الغريبة اثارت الشعب العراقي الذي انتظر يوم الخلاص من نظامه الجائر ولو بيد الشيطان وكان لهم ذلك ولكن الحسبة الامريكية خلطت الموازين.
وعموما ان الاحتلال وتدخل الاجنبي قد انتهى زمنه منذ ما يزيد على نصف قرن والشعب العراقي كغيره من العرب يفترق ويفترق ولا يوحده الا عدو وتدخل اجنبي كما هو في قصة المستطرف.
تساقطت حكومات عربية اثر نشر وثائق «ويكيليكس» في نوفمبر 2010..وكانت أولاها تونس..اصدر الرئيس الامريكي اوباما مذكرة رئاسية تحمل رقم (12.11) في اغسطس 2011..وابلغ مستشاريه للاستعداد لتغيير انظمة في دول عربية باسم الديموقراطية والاصلاح، فاسقطت مصر رئيسها وليبيا واليمن وارتكز التآمر على لبنان وسورية..ودمرت العراق تدميرا.


عبدالله خلف
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

968.7468
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top