مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

بدل (عضّة)

ناصر أحمد العمار
2015/01/18   09:28 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image

العمل مع مثل هذه الحالات يتطلب جهاداً كبيراً لا ينتظر منه العاملون إلا الأجر من رب العالمين


تقول أم محمد: كنت اتفقد نزلاء احدى دور الرعاية الاجتماعية التي كنت اعمل فيها اخصائية اجتماعية، وعندما كنت في احد الايام اهم بالدخول الى غرفة احدى النزيلات كي أطمئن انها ستخلد الى النوم دون ان تقوم بالاستعراض اليومي لقائمة الطلبات والشكاوى والانتقادات والاعتراضات المعتادة والمتكررة التي تقدمها للجهاز العامل بالدار! وحال وصولي اليها لاحظت انها على غير عادتها التي تعودنا عليها من الصراخ والعويل والاحتجاج والبكاء والتظاهر بأنها (زعلانة) وان حقوقها قد سلبت منها و..و... الخ! اقتربت منها اكثر وهي تدرك مدى قوة علاقتي بها وبشكل تعاملي مع المواقف التي تتعرض لها، مع ما تحتفظ به تجاهي من الخوف الممزوج بقليل من الاحترام الذي تكنهُ وتبديه لي!! بادرت بالتعامل مع الموقف بما يستوجب ان اقوم به عندما تكون في مثل هذه الحالة! وهذا تصرف مهني يجب ان تقوم به اي اختصاصية اجتماعية او نفسية، يقوم على مفاهيم تتطلب خبرات واسعة تساعد على التعامل مع النزيلة ومعرفة سبب التحول الطارئ في حالتها.
النزيلة ليلى تجلس على حافة سرير النوم وكأنها تنتظر من يحضر لها طلبا ما...
نظرات ليلى لا تفارق الاخصائية ام محمد منذ اللحظات الاولى التي دخلت عليها في غرفتها... تتجاهل ام محمد النزيلة ليلى وتحاول ان تنشغل بترتيب غرفتها وجل تركيزها على ردة فعل النزيلة ليلى...
في هذه الاثناء تحاول ام محمد الاقتراب بشكل تدريجي ناحية النزيلة ليلى مع استمرارها بتجاهلها المصطنع الذي بدأ يؤتي ثماره....
النزيلة ليلى وكعادتها في القاء الحديث (تتمتم) مع صعوبة في النطق:
ماما (شفيچ)؟.. (هذا ما ارادته ام محمد.. ان يأتي السؤال من النزيلة وليس كما ارادت النزيلة ان تبادرها ام محمد بالسؤال)، فالخدمة الاجتماعية تُطلب ولا تُقدم، مبدأ مهني يعرفه اصحاب هذه المهنة جيدا. تبادر ام محمد بالاجابة: نعم ليلى.. هل تريدين مني شيئا؟ هل تناولت وجبة العشاء؟ لماذا انت سهرانة الى هذا الوقت المتأخر؟ (وهي تحاول الاقتراب منها تدريجيا مع انشغال مصطنع عن النزيلة ممزوج بنوع خفيف من الشدة بالحديث معها (وهذه سياسة يعتمدها العاملون مع بعض النزيلات حتى لا يعتقدن ان كل طلباتهن اوامر ملزمة وعلى العاملين في المؤسسة القيام بتنفيذها)!!
في هذه اللحظات وعلى غير المألوف، تطلق النزيلة ليلى موجة من الصراخ والصياح والبكاء المصطنع نعتبرها كاختصاصيين اجتماعيين (حيلا دفاعية)، ولمثل حالة ليلى يُعتبر استدراراً لعطف ام محمد. تحاول ام محمد تهدئتها كالعادة، لكن النزيلة تتظاهر بشدة وتيرة الموقف رافضةً الهدوء وان (تعّدي) هذه الليلة على خير!
تغّير الاخصائية ام محمد اسلوبها من خلال القيام بتوجيهها ونصحها وان جميع من يعمل في هذه المؤسسة يحبونها ويقدرونها ويهتمون بمصلحتها. تطلب ام محمد من النزيلة ليلى الخلود الى النوم. تحاول النزيلة التظاهر بالهدوء والنوم كعادتها كل مرة عند التعرض لمثل هذه الحالة. النزيلة تحاول خداع ام محمد بالامتثال لتعليماتها. تطمئن الاخصائية لهذا الموقف. في هذه الاثناء، فجأة... تسارع النزيلة (بشكل غير مسبوق) بالانقضاض السريع والخاطف على يد ام محمد وقامت بعضها على يدها بشكل قوي تبين حينها ان النزيلة ليلى قد بلغت مرحلة حرجة تطلب تدخل طبيب المؤسسة بعد ان هرع كل من في المؤسسة على صراخ ام محمد محاولين تخليص يدها من أسنان النزيلة لكن دون جدوى حتى تطلب الامر تدخل الاسعاف وطبيب الطوارئ لتخليص يد ام محمد من هذه الورطة الكبيرة، وبالفعل انتهى الموقف بعد صراع طويل بين يد ام محمد وأسنان النزيلة ليلى !!..
لم تكن الاخصائية ام محمد كأي الموظفات اللاتي يعملن في مثل هذه المؤسسات التي ترعى فئات خاصة، فهي الموظفة الام والأخت والصديقة والاختصاصية الاجتماعية والاختصاصية النفسية مع النزيلات، علاقتها بهم فريدة لتمتعها بالخبرات المهنية رفيعة المستوى التي اكتسبتها خلال عملها مع مثل هذه الحالات على مدى ثلاثين عاما قضتها معهم بين جدران هذه المؤسسات حتى يأتي الله بأمر كان مقضيا، العمل مع مثل هذه الحالات يتطلب جهادا كبيرا لا ينتظر منه العاملون الا الأجر من رب العالمين.. لكن اتمنى لو ان هناك بدل (عّضة) حق ام محمد وأمثالها لأنهم يتعرضون الى ما هو اكبر من ذلك... نزلاؤنا هناك ومن يعملون معهم يستحقون كل تقدير فقلما نجد مثيلا لهم!
احداث القصة واقعية لكن ام محمد وليلى أسماء مستعارة..

ناصر أحمد العمار
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

3284.5888
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top