مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

رحرحة

النذر والوفاء

أسامة غريب
2015/01/13   09:17 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



لي صديق قديم لا أذكر أنني زرته في أي مرة دون ان يُجلسني في غرفة المكتب حيث يريني عدداً ضخماً من ألبومات الصور القديمة التي يربو عددها على المائتين..نعم مائتي ألبوم تضم عشرات الآلاف من الصور العائلية التي جمعته بأبنائه في المناسبات المختلفة منذ الولادة حتى كبروا وأنهوا تعليمهم الجامعي. وفي كل مرة أندهش أو أتظاهر بالاندهاش من ان يحوز إنسان كل هذا القدر من الصور التي تمثل مراحل نمو أطفاله في البيت والحديقة والنادي والشارع المدرسة وكل مكان آخر ذهبوا اليه.
وعلى الرغم من هذا فأنا لا أذكر أنه قام يوماً بفتح ألبوم أمامي وفرّجني على ما به من صور، أو قام هو نفسه بتصفح ما لديه من كنوز عائلية ثمينة.سألته مرة عن هذا الموضوع فأجاب بأن الصور تحت يديه داخل مكتبه وبامكانه في أي لحظة ان يمد يده ويطالع منها ما يشاء.
الآن صرت متأكداً ان العمر سيمضي بصديقي هذا حتى ينتقل الى جوار ربه دون ان يستمتع برؤية صور أولاده وبناته، اذ انه سيظل مكتفياً دائماً بأن الصور موجودة!هذا رجل قضي عمره في التصوير والتحميض والطبع ورص الصور في ألبومات دون ان يجد الوقت لتأمل ما لديه.. وكيف يتأمل أو يستمتع بالصور وهي كثيرة بصورة مهولة تجعل أي إنسان أعجز من ان يحيط بها، ناهيك عن ان يطالعها ويتأمل فيها ويتذكر مناسبتها.. ومثل هذا بالضبط مَن يحتفظ على جهاز الكمبيوتر بآلاف الصور متخيلاً أنه قام هكذا بحفظ شريط حياته مصوراً وصار بامكانه ان يستدعي منه ما يشاء وقتما يشاء.يؤسفني ان أقول لمن يفعل ذلك أنه لن يتفقد أبداً ما لديه من صور وسوف يغنيه عن مطالعتها أنها موجودة في الحفظ والصون.
الافراط والكثرة اذن تجعل المرء مقتنعاً بأن لديه ما يريده دون ان يستخدم هذا الذي لديه، وهذا يشبه الى حد كبير ان يعيش شخص داخل قصر مكون من مائة غرفة..لا يمكن أبداً لأحد ان يتمكن من السيطرة النفسية أو المادية على مائة غرفة وجعلها جزءاً من نسيج حياته اليومية فيحفظ بهذه الغرفة أحذيته ويضع بالأخرى فانلاته الداخلية وبالثالثة كتبه الأدبية والرابعة وعشرين كتبه العلمية وفي الثانية والثلاثين يقيم صالونه البحري وفي الرابعة والأربعين معيشته القبلية وبالخامسة والخمسين يضع أدوات الحلاقة وبالتاسعة والسبعين فرشته وألوانه وبالثانية والثمانين سريره وبالسادسة والتسعين مناديله.. وهكذا. هذا بالتأكيد شيء غير طبيعي، ومن الأسهل على الإنسان ان يقيم في منزل من خمس أو ست حجرات وسوف يعّد هذا منزلاً كبيراً لكن يسهل التعاطي معه والعيش فيه على نحو طبيعي.
هناك مثل مصري يقول: قلل من النذر و«اوفي» أي كن قليل النذور حتى تتمكن من الوفاء بما تنذره، أما إذا أكثرت من الوعود والتعهدات والنذور فانك حتماً ستعجز عن الوفاء ببعضها ان لم يكن كلها، فطاقة الإنسان محدودة وجهده يقصر به عن بلوغ كل ما يريد، فمن الأفضل ان تكون حياته وتصرفاته على قدر طاقته حتى يكون المتحقق فيها أكثر من الذي يُمنى فيه بالفشل. ولو كان صديقي هذا قد احتفظ بألبومين أو ثلاثة من الصور فقط لأمكنه ان يمد يده كل يوم ويطالعهم ويتأمل كل صورة على مهل ويستدعي اللحظة التي التقطت فيها وينعم بذكريات جميلة طوع اليد.

أسامة غريب
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

250.0004
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top