مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أكمل الخلائق خلقاً وخُلقاً وعقلاً محمد (ص)

السيد ابوالقاسم الديباجي
2015/01/09   11:02 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



كلما هلّ علينا شهر ربيع الأول تذكرنا مولد أشرف المخلوقين وأعظم شخصية في الوجود الرسول الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي ولد في مكة المعظمة عند طلوع الفجر قبل ثلاث وخمسين سنة من الهجرة وفي عام الفيل.
ويتحدر نسبه (صلى الله عليه وآله وسلم) من نبي الله اسماعيل بن خليل الرحمن ابراهيم عليهما السلام، قال رسول الله (صلى الله عليه واله): «ان الله سبحانه وتعالى اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم»، فكان (صلى الله عليه وآله) أفضل جميع الخلائق وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً.
بعث لانقاذ البشرية من الجهل وسوقها الى الكمال فكان المربي الرباني الاخلاقي العظيم لأجيال المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل.
وان من احد عوامل انتشار الاسلام وقيادته حسن خلق النبي (ص) ومحبته وعطفه على الناس، والتأريخ يحدثنا الكثير من النماذج والاشخاص الذين وقفوا على عظمة أخلاق الرسول الأكرم (ص(، مما أدى بهم الى ترك التعصبات والعادات الجاهلية المتأصلة فيهم، والانخراط في خط الرسول الأكرم (ص(.
وقد انزل الله تعالى على نبيّه محمد (صلى الله عليه وآله) حين بعثه بالنبوّة قرآناً عربيّاً مبيّناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد أعجز النبي (صلى الله عليه وآله) به البلغاء وأخرس الفصحاء وتحدّاهم فيه فلم يستطيعوا معارضته وهم أفصح العرب بل واليهم تنتهي الفصاحة والبلاغة.
وقد أحاط القرآن الحكيم بالانسان والمجتمع والطبيعة والغيب احاطة تامة وأفرز البرنامج المتكامل للحياة روحياً ومادياً، معنوياً وطبيعياً، فحفظ الانسان من الضياع والمجتمع من الانحراف والغيب من النكران.وهو صوت الله للبشرية يصلح لكل ظروف البشر وبأي مستوىً كانوا علمياً وثقافياً وفكرياً، وهو الدستور الالهي الذي يضمن بتطبيقه سعادة البشر نفسياً واجتماعياً حيث بينت أحكامه أسس العلاقة بين العبد وربه الجليل وكذلك العلاقة بين الانسان والانسان والعلاقة بين الانسان والمجتمع ضمن الضوابط المشروعة بعيداً عن التمييز الطبقي والعشائري بل الشريعة الاسلامية ذوّبت كل الحواجز المصطنعة بين البشر وجعلتهم متساوين أمام القانون كأسنان المشط «الناس سواسية كأسنان المشط» و«لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجمِي، ولا عَجمِي عَلى عَرَبِي الاَّ بِتَقوَى اللهِ» كما في الحديث النبوي.
وفي ظل القرآن الكريم تحققت الحرية للانسان والمجتمع في اختيار عقيدته وطريقة حياته: {لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} (البقرة: 256)، وقال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99)، وقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29).
فكل هذه الآيات تؤكد حرية الاعتقاد والاختيار وأنه لا يجوز لأي شخص ان يعاقب الآخر بالقتل أو سلب أمواله أو هتك عرضه أو ايذائه لمجرد الاختلاف معه بالدين أو المذهب.
وروى البيهقيُّ وغيره، ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «لزوال الدنيا جميعاً أهون على الله من دمٍ سفك بغير حقّ».. هذا في عموم الدماء والأنفس التي هي – بلا شك – من خلق الله، وواقعةٌ في ملك الله، وأمرها عائدٌ الى الله، فكيف بدماء المسلمين وأنفسهم يا تري؟!
وحاصل معنى الآية {لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} ان الله تعالى لا يجبر أحدا من خلقه على ايمان ولا طاعة، ولكنه يوضح الحق ويبينه من الغي، وقد فعل ذلك، فمن آمن بالحق فقد آمن به عن اختيار، ومن اتبع الغي فقد اتبعه عن اختيار والله سبحانه وان كان قادرا على ان يهدي البشر جميعا - ولو شاء لفعل - لكن الحكمة اقتضت لهم ان يكونوا غير مجبورين على أعمالهم، بعد ايضاح الحق لهم وتمييزه عن الباطل، فقد قال عز من قائل: {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ الَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة:48)، وقال: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (الانعام:149).
والاسلام لا يرد للانسان ان يخضع قسراً لرسالة السماء، بل يريد ان يربطه بالرسالة، ويتنمى فيه الارادة والعزم والوعي لكي يصل الى مستوى الايمان بالرسالة، والله لا يريد لعباده المؤمنين ان يتحوّلوا الى ارهابين ويثيروا الفتنة ويكفروا بعضهم البعض ويقتلوا ويسفكوا دماء الأبرياء بل يريد ان يفسحوا المجال واسعاً أمام الثقافة والوعي ليلعبا دورهما في رفع الناس الى مستوى الايمان.
واذا قرأنا سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نجد أنه لم يكن القتل بالصورة التي نرى اليوم منهجا له، ولا اراقة الدماء بالكثرة التي نعيشها اليوم طريقا له، بل كان في أشد الأحوال يوصي بحفظ الأنفس البريئة، وحقن الدماء المحرمة، وهو الذي أرسل رحمة للعالمين وأكّد على الكرامة الانسانية، وعلى ان الانسان مخلوق مكرمّ كرَّمه خالقه تبارك وتعالى، وفرض علينا التعامل معه في اطار هذا التكريم {ولقد كرمنا بني آدم} (الاسراء:70).
لذا يجب علينا كمسلمين تطبيق ما جاء في القرآن الحكيم والدستور الالهي العظيم واطاعة رب العالمين ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) باحترام الآخرين مهما كانت عقائدهم ومذاهبهم ودياناتهم وآراؤهم وعدم التعدي على حقوقهم، وعدم تأجيج الفتن والكراهية والبغضاء واشعال نارها والتي تدمر المجتمعات وتهلكها وتشرد اهلها، وعلينا كمواطنين تطبيق منهج الأخوة والتسامح والمحبة والمودة فيما بيننا والالتزام بالوحدة الوطنية فالأخوة والوحدة التي تلغي الحواجز النفسية والسدود الفكرية بين أبناء الوطن الواحد هما من أهم عوامل التقدم والازدهار ورقي البلد.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

703.1253
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top