مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

من يوميات وافد متقاعد

ناصر أحمد العمار
2015/01/08   10:34 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



يقول: كنت في احدى محطات غسيل السيارات، تحديداً في غرفة انتظار الزبائن، انتظر عامل المحطة للانتهاء من غسل سيارتي، واذ بشخص يقترب مني قاصدا اخذ مكان للجلوس والانتظار لحين اتمام غسل سيارته، ما ان اقترب مني هذا الشخص اكثر حتى عرفت انه جمال الذي كان يعمل في احدى وزارات الدولة، التقيت به آخر مرة قبل عامين عندما كان ينهي اجراءات تقاعده من العمل، واعتقدت بعدها انه غادر الكويت نهائياً أسوة ببعض الاخوة الوافدين الذين يحالون الى التقاعد.بعد السلام والترحيب به سألته: هل مازلت الى الآن في الكويت؟ قال نعم.. سألته: هل وجدت عملاً آخر تقتات واسرتك منه؟ لا طبعاً.. كيف تعيش اذا؟ يعدل جمال من جلسته ويقترب مني اكثر قائلا: كيف افارق الكويت وقد عشت بها أحلى سنوات عمري، واستطعت بفضل الله ان اكّون اسرة قوامها الآن ثلاثة شبان وعروستان في عمر الزهور، وزوجة صالحة أعود الى البيت تطعمني الحب والحنان قبل وجبة المحشي واستمد منها التفاؤل قبل التهام الفراخ، هي ليست الأم والزوجة فقط، بل هي موطني الذي يغار منها وطني، وملاذي الذي آوي اليه بعد عناء العمل، تجسد بأفعالها بعضاً من معاني حديث معلم البشرية محمد صلى الله عليه.الذي نقل عنه أَبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، حين قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ اذَا نَظَرْتَ الَيْهَا سَرَّتْكَ، وَاذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَاذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا» لقد ساعدتني على الحياة ومتاعبها، والآن اكمل مشوار سعادتي على هذه الارض الطيبة، حتى يضمني ترابها والف بكفن نُسِجت خيوطه من حرير أيامنا.كيف أغادر بلدا خلق فيّ جمال الانسان بعد جمال الطفل الذي حباه المولى بعدما كبر بأن يعيش ويعمل في الكويت، كنت على خلاف مع مبادئي والقيم التي يجب ان اهتدي بها، لكنني في الكويت تكونت شخصيتي، واكتمل نمو تفكيري وتحقق من ذاتي الكثير ممن كنت ابحث عنه في تحقيق الحلم.هنا اتممت مراحل اكتمال رجولتي التي هي خلاف الذكورية، الرجولة بمعناها النفسي والاجتماعي، لقد كانت اللبنة الاولى لتكوين اسرتي التي من خلالها بدأ مشوار العمر، سكبت مزيج قيمي وعاداتي والتقاليد التي تعلمتها من بلدي الام في قوالب امي الثانية الكويت، فسرت بالحياة ثابت الخطى، حتى صرت أبا فذاً يقود اسرةً شقت طريقها الى المستقبل بثبات واستقرار ينشده كل رب اسرة، فأوصلت المركب الى شاطئ الأمان.. هاهو مجدي ابني الاكبر يعمل مهندسا، واحمد الاوسط طبيبا، وياسر (الجعدة) دكتور في احدى الجامعات، اما سميرة فهي مهندسة بترول وامل محامية.
هل تود القول انك رفضت العودة الى بلدك حتى لا يفقد أبناؤك وظائفهم؟ يقترب جمال مني اكثر: اسمع يا اخي.. المشكلة تكمن في صعوبة العيش لأفراد أسرتي في بلدهم الأم، لقد نشأ أبنائي بعد ولادتهم على هذه الارض، وامتزج حليب أمهم بمكونات الولاء لحب الكويت، فاختلطت روح المواطنة بمعنى الوطن، وتجذرت عروق بقائهم لتمتد الى.. ما لا نهاية، لا ارغب ان يعيش أبنائي غرباء في بلدهم! كيف تطلب من المرء السعي الى بلوغ قدر اقل من القدر الذي اعتادوا عليه، يناطحون هامات السحب في كل خطوات حياتهم منذ نعومة أظافرهم والى اليوم!! كيف تريد للمرء العيش في وحل الاغتراب بعد ان كان لهم في المجد مراتب عليا؟.. كيف تريدني ان أجعلهم يتذوقون طعم ماء الجداول بعدما شربوا حر مياه العيون؟. عزيزي انها الكويت التي بها اصبحت هاماتنا الى العلا بسببها، ووطئت أقدامنا بقاعاً مختارة من روائع العالم، لم نكن نحلم يوما ادراكها، وارتدينا طيب الملبس وأكلنا نعيم المأكل، كيف لي ان أقنع أسرتي بالرحيل؟ انها مسألة حياة.. ونعيم، وسلام وأمان، تفتقده شعوب كثيرة وعز على أمم اكثر.
يكمل: اخي العزيز قدرنا الجميل ان نكمل مشوار العمر هنا.. انا واسرتي.. في الكويت بلد السلام، يقودها أمير للانسانية.. وشعبها للخير والمحبة منهاجهُ.
غادر جمال مجلسنا، بعد ان اعلن العامل الانتهاء من غسل سيارته واذ بها من نوع وطراز يفوق نوع وطراز سيارتي، ودعني وهو يقول لي: وصلت الرسالة؟

ناصر أحمد العمار
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

3136.816
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top