مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أبو مازن في دنيا الغضب

عبدالله بشارة
2015/01/04   09:46 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



تابعت خطاب أبومازن بعد تصويت مجلس الأمن، مساء الأربعاء الماضي، في آخر يوم من عام 2014، يسجل فيه العزم على الذهاب الى منظمات الأمم المتحدة وأبرزها محكمة العدل الدولية عن طريق توقيع الانضمام الى معاهدة الجنايات الدولية والمصادقة عليها من أجل تأهيل الشكوى الفلسطينية ضد ممارسات اسرائيل المملوءة بالبطش وتحقير المبادئ الانسانية التي تحرص المحكمة على احترامها.
كان أبومازن غاضبا من الفتور الدولي، وساخطا على سلوكيات مجلس الأمن في تعامله مع القرار الفلسطيني الذي قدمه الأردن كعضو عربي مفوضا لتنسيق المواقف، ومودعا المجلس بدون أسى على الفراق، بعد ان تخلى المجلس عن مسؤولياته في فرض الأمن والسلام وتحقيق العدالة التي ينشدها الشعب الفلسطيني.
ومهما كانت مشاعر الأسى التي رافقت ذلك الخطاب الوطني، فتبقى حقائق السياسة العالمية وأوضاعها شبه دائمة، لن تتأثر بسوء حظ أحد، ولن تتغير بحثا عن العدل والانصاف لمصلحة أحد، وسيبقى الوضع ما لم تبدله قوى التوازنات.
مجلس الأمن موقع فريد تشغله النخب القوية المتمكنة في ادارة الأحوال العالمية، تحركه موازين القوى، ويتفاعل مع النداءات في حدود الممكن، وضوابط العدالة في مجلس الأمن تتحكم بها ظروف الواقع وطبيعة المكان، والمجلس ليس محكمة جنائية تراعي لائحة الأخلاق ومقاييس القيم، وتجرم من سرق غلة المزارع ومن هرب بصندوق ذهب الجار، وانما آلية تنظر في العلاقات بين الدول بمنظور المنافع وتوازن المصالح ومناطق النفوذ وترابط التحالفات وأهمية الموقع وما يملكه الشاكي من رصيد وحجم الكارت الذي بين يديه، وفوق ذلك تتدخل عوامل فيها رغبة السيطرة وفيها تصفية حسابات.
تظل قضية فلسطين في ملفات مجلس الأمن مهما كان الغضب من الجفاء ومن النفاق والاستهتار، فقد تضخمت وثائق الأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية منذ عام 1947، وعالجها مجلس الأمن منذ ذلك الوقت، وعاصرت شخصيا وجودها في مجلس الأمن في عامي 1978- 1979 عندما كانت الكويت عضوا في مجلس الأمن وتوليت مسؤولية تنسيق المواقف العربية داخل المجلس، وناقش المجلس القضية بكل جوانبها خلال تلك الفترة عدة مرات، وأتذكر بأن آخر مرة ناقش المجلس فيها قضية فلسطين كان مشروع القرار محصورا في جملة واحدة «حق الشعب الفلسطني في تقرير المصير» كجملة واحدة تضاف الى القرار 242 المؤكد على سلامة الدول وسيادتها وانسحاب اسرائيل من الأراضي المحتلة، وكانت قضية فلسطين في مجلس الأمن مهرجانا لحشد الدول الأعضاء للمشاركة في المناقشة من الدول الاسلامية والأفريقية وعدم الانحياز وتشغل وقتا يستمر اسبوعين وأكثر، تسلط فيها الأضواء على الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني المكافح وعلى تصرفات اسرائيل، وعلى طمس الحقائق وعلى الحماية السياسية الأمريكية لاسرائيل، ولم تدفع الدول العربية بالمناقشة الى التصويت لأن الفيتو الأمريكي سيعطل المكاسب السياسية والاعلامية والمعنوية التي تنالها قضية فلسطين من تلك المناقشات.
كنا نكتفي بالمناقشة على ان تعود بعد شهرين أو ثلاثة للمناقشة ويبقى القرار مطروحا نحركه في الوقت المناسب.
تغيرت الظروف بعد فشل المفاوضات المباشرة، وتسيد الاحباط الذي دفع أبومازن وحكومته الى طرح المشروع الأخير على التصويت مهما كانت الحصيلة، وجاءت الحصيلة غير مريحة ليس لموقف الولايات المتحدة فقط وانما لفشل المشروع في الحصول على تسعة أصوات بعد فقدان صوت نيجيريا ورواندا، الأمر الذي سهل لواشنطن عدم اللجوء الى التصويت بالفيتو.
قضية فلسطين بتعقيداتها الدولية وتداخلاتها الاقليمية ورعايتها العربية لا تقبل ممارسة العجالة أمام المحافل الدولية لاسيما مجلس الأمن، كان يجب ضمان الأصوات التسعة، واذا تعذر ذلك يؤجل التصويت، وتعود المناقشة في وقت آخر أكثر قابلية للنجاح، لأن الفشل له انعاكسات ليست محصورة في الداخل الفلسطيني وانما في المحيط العربي الذي خصص لجنة متابعة عربية تتحمل مسؤولية سياسية ومعنوية في ادارة الموضوع ما كان لها ان توافق على الاندفاع الغاضب نحو التصويت السلبي، وبهذه العجالة التي خرجت عن المبدأ المألوف في تأمين النجاح وتأمين المشاركة الجماعية في التشاور والمداخلات.
كان المفروض الاستماع الى مشورة الوفود العربية في الأمم المتحدة العارفة بالتفاصيل والتي انتقد بعضها سرعة الاندفاع الى التصويت وخسارة صوت دولتين من أفريقيا.
في صيف 1973، ناقش مجلس الأمن موضوع الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية، بناء على طلب مصر، وجاء المرحوم الدكتور أحمد حسن الزيات وزير خارجية مصر طارحا القضية في اجتماعات استمرت اسبوعا كاملا، عبر مشروع قرار يدعو لانسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي العربية وتطبيق المبادئ التي جاءت في القرار 242، خاصة بعد رد اسرائيل الرسمي على رفض الانسحاب الى حدود 1967.
لجأ الرئيس السادات الى مجلس الأمن ضمن خطة حرب أكتوبر 1973، عارفا بمعارضة الولايات المتحدة لكنه مدرك أيضا لفوائد تعرية وكشف المعارضة الأمريكية أمام الرأي العام العالمي ودورها في فشل الجهود السياسية وضرورة اللجوء الى القوة.
كانت خطة محكمة سخرت اخفاقات المجلس لصالح الحشد السياسي والمعنوي والعسكري داخل مصر وخارجها، واستغل السادات اغلاق الأبواب في تبريراته لاستعمال القوة.
ومن الواضح ان الرئيس أبومازن ضاق ذرعا بالتصلب الاسرائيلي- الأمريكي فلجأ الى مجلس الأمن وفي حالة الفشل تبدأ عملية الانضمام الى معاهدة الجنايات الدولية لأنه يريد الالتزام بالمسار السلمي، مفتتحا نهجا جديدا في تاريخ النضال الفلسطيني في مواجهة سياسية وقانونية ليس فقط مع اسرائيل وانما مع الولايات المتحدة، القوة الوحيدة القادرة على استئناف التواصل التفاوضي بين الطرفين.
وأجزم بأن أبومازن وجماعته تدارسوا أعباء الفصل القادم وقيموا تبعات هذه الخطوات السلمية المستجدة ورسموا خريطة تعبوية تحشد الأنصار للدعم والتأييد، وأتصور أيضا بأن الوضع الاقليمي المضطرب كان حاضرا في تقييم اتخاذ القرار، لاسيما وأن الامكانات العربية مستنفرة نحو داعش في العراق وصراعات سورية واضطرابات ليبيا وحروب اليمن وارهاب التطرف الديني والتحرشات الراديكالية الايرانية.
وأتصور أيضا بأن أبومازن وحكومته تدارسوا حجم العوائد التي سيكسبها شعب فلسطين من هذا الخيار الاستراتيجي الجديد الذي سيدشن نشاطه مع توقيع الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية، وأهم عناصر الكسب هي الحفاظ على الاجماع العالمي في دعم نضال شعب فلسطين.
تبقى هناك نقاط كثيرة تثير تساؤلات ونقاطا أخرى تثير تخوفات، وأبرزها فقدان الصوت الأفريقي الموجود ومسبباته، لأن نيجيريا دولة جادة تشاركنا معها في مجلس الأمن وملتزمة بالايجابية والعطاء وفوق ذلك دولة يعتمد عليها في المشورة والتأثير في مواقف الآخرين.
يكافح شعب فلسطين منذ أكثر من ثمانين سنة، يحق له ان ينفر غاضبا عندما يرى صخورا في المحيطات صارت دولا محترمة في الأمم المتحدة ويحق له ان يستهجن الظلم ويخاصم الظالمين، وتبقى الحقيقة بأن استراتيجية الغضب لا تنفع في تحقيق ما يريده شعب فلسطين وأن الغضب مشاعر لا يجب ان يتحول الى آليات، خاصة وأن الوضع السياسي الفلسطيني منقسم ما بين حماس في غزة وآخر في رام الله، ولا يخدم شعب فلسطين تبادلية الاتهامات الحادة بين الطرفين.
لابد من العودة الى مجلس الأمن، ليس عبر مشروع فلسطيني، وانما كما جرت العادة، عبر الأصدقاء الذين يتحركون وفق معرفة، وبشعور ايجابي تجاه القضية، ومن المفيد تحريك فرنسا لكي تنشط مرة أخرى للعودة الى تبني قرار من مجلس الأمن يقترب من المشروع الفرنسي الذي لم يرض وفد المنظمة.
هناك فترة شهرين قبل استكمال فاعلية القرار الفلسطيني بمحكمة الجنايات الدولية، هي فترة مناسبة للتأمل والتشاور وتوسيع دائرة الاستماع الى دول الخبرة والنفوذ، ويفتح باب الأمل مستقبلا.
المهمة الأولى للقيادة الفلسطينية هي تقريب المسافات نحو الوصول الى الدولة الفلسطينية، وأفضلها قرار من مجلس الأمن يعزز الشرعية السياسية والقانونية ويكرس الوجود الدولي الفلسطيني.
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

516.9517
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top