مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

رحرحة

الحكيم.. محفوظ

أسامة غريب
2014/12/31   06:49 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



مازال نجيب محفوظ أديب العربية الكبير قادراً حتى بعد رحيله على اثارة دهشتي كلما تأملت سيرته وتفكرت في حياته. لقد كنت أتساءل لماذا استمر هذا الرجل يشغل وظيفة عادية بوزارة الأوقاف لسنوات طوال على الرغم من ان مكانته كأديب أعطته أكثر بكثير مما منحت رؤساءه ومديريه الذين عمل تحت امرتهم أثناء حياته الوظيفية؟ أعتقد ان الاجابة على هذا السؤال تجسدها سيرة حياة أديب آخر كان موهوباً أشد الموهبة وكانت قصصه وأعماله الأدبية شديدة النضوج والنصاعة هو محمد عبدالقادر المازني. لقد أنفق المازني جل سني حياته وموهبته على الكتابة في الصحف، وكانت أعمدته في صحف الأخبار والسياسة والبلاغ تشغل الناس وتمتعهم لسنوات..لكن للأسف بعد وفاته لم يبق من انتاجه الا النذر اليسير حيث ان الكتابة بالصحف السيارة لا تترك بعد وفاة صاحبها الا هشيماً تذروه الرياح!.. وطبيعي ان ما دفع المازني لانفاق موهبته للكتابة بالصحف هو أنها كانت تدفع له ما يفي باحتياجاته الحياتية.. ولعل هذا كان السبب الذي من أجله تمسك محفوظ بالوظيفة طيلة حياته، وقد ثبت أنها كفلت له أماناً مادياً جعله يتفرغ للأدب الروائي ولا يكتب بالصحف الا بعد الخروج الى المعاش، ولم تكن مقالاته على أي حال مما يستحق الاحتفاظ به، حيث يبدو انه كان يكتبها مجاملة للصحيفة بينما يدخر عصارة عقله للأدب والأدب فقط. جانب آخر من شخصية أديب نوبل جدير بالتأمل هو أنه كان يكره السفر ولا يتحمس للانتقال بعيداً عن القاهرة حتى انه على سبيل المثال قضي الخمسة والتسعين عاماً التي عاشها، فقط بين القاهرة والاسكندرية ولم يتحرك حتى الى الصعيد أو مرسى مطروح والواحات ولم يعرف الغردقة وشرم الشيخ وغيرهما من المدن التي يقصدها الأجانب، ومعروف كذلك أنه لم يغادر مصر سوى مرتين في حياته في فترة الستينيات، واحدة الى اليمن والأخرى الى يوغوسلافيا، وواضح ان السفرتين كانتا مجاملة منه للسلطة ولم تكن بدوافع ذاتية. ولعل هذا ما حدا بأديب كبير آخر هو يوسف ادريس وقد أظهر حنقاً عظيماً بعد فوز محفوظ بجائزة نوبل الى القول أنه هو شخصياً لف العالم كله وخالط كل أنواع البشر وطاف وشاف وهضم كل ما صادفه في الكون ثم أخرجه على صورة أدب قصصي.. وفي النهاية ذهبت نوبل الى نجيب محفوظ وهو جالس على القهوة!.
قد يؤكد هذا ان حياة محفوظ كانت حياة رأسية وكذلك أدبه.. حياة تتمدد الى أعلى والى أعمق لكنها لا تسيح أو تنتشر أفقياً، ولعل هذا ما أكسب الرجل حكمة لا مثيل لها انطبعت في أدبه المحلي الذي لم يبرح شوارع القاهرة أو شوارع اسكندرية على الأكثر. ولعلنا نلاحظ ان شباب الأدباء في أيامنا هذه يمتلكون معرفة تقنية كبيرة بالنت والكمبيوتر ووسائط التواصل الاجتماعي، كما أنهم في معظمهم كثيرو السفر والتنقل ويمتلكون معرفة كبيرة بأنواع وأنماط مختلفة من البشر والمدن والأماكن، ويمكن ان نقول ونحن مطمئنون ان هؤلاء الشبان يعرفون معلومات ويحيطون ببيانات أكثر عشرات المرات مما كان بين يدي نجيب محفوظ، لكن تري هل يمتلك أحد منهم شيئاً من حكمته؟ لا أتصور ان الكم الكبير من المعلومات والبيانات والأخبار والمعارف تتيح لصاحبها حيزاً يسمح بالهضم والتمثل والتأمل وهي الشروط اللازمة لاكتساب شيء من الحكمة، ولعل بقاء الرجل في مكانه لما يقارب قرن من الزمان أتاح له ان يرى ما يقع الى جواره وما يوجد على عتبة بيته، وهذا يذكرنا بطاغور شاعر الهند الكبير الذي كتب عن نفسه: انه على الرغم من سفره وترحاله، وصعوده الى أعلى الجبال، ثم نزوله الى أعمق الوديان لم يجد الوقت لكي يلتفت الى ورقة صغيرة من العشب تعلوها قطرة من الندى بجوار بيته!.

أسامة غريب
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

250.0004
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top