مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

نافذتي

بلاها تفبي!

د.خالد القحص
2014/12/30   09:46 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image

حياتنا أكبر من أن نختزلها في التجول في مواقع التواصل الاجتماعي


كنت على موعد على العشاء مع بعض الأصدقاء في مجمع الأفنيوز، ولفت انتباهنا وجود لوحات عامودية (ستاندات) متناثرة في ممرات المجمع، مكتوب عليها كلمة (بلاها تفبي)، كما توضح اللوحات مكان تجمعهم، فاثأر الفضول لدي لمعرفة أصل الكلمة، وما الذي تعنيه هذه الحركة، فاتجهت صوب مجموعة من الشباب والشابات، حيث استقبلتني الشابة النشطة والرائعة ريم الهنيدي، ومعها زملاؤها وزميلاتها يوسف ومريم وغايا، ثم شرعت الشابة ريم تشرح لنا بهمة فكرة المشروع، ومن أين جاء الاسم، فعرفت أنها حملة توعوية بعنوان (بلاها تفبي!)، والتي أطلقتها مبادرة (النوير) الايجابية، حيث تُعنى الحملة (كما يذكر موقعهم) بالحد من ظاهرة الانشغال بالهواتف الذكية واستخدامها الخاطئ، مما يؤدي بنا الى درجة تجاهل الاخرين، والمحيط القريب وفي مختلف الاوقات والظروف.
والجدير بالذكر ان رئيسة مبادرة (النوير) هي الشيخة انتصار سالم العلي الصباح، ومعها مجموعة من الشباب والشابات الايجابيين، الذين أطلقوا بعض المشاريع الجميلة، وموقعهم يحفل بهذا.ما يهمني هنا هو فكرة الحملة حيث جاء مصطلح «تفبي» من المصطلح (فابينغ) Phubbing، والذي يدمج بين كلمتي (هاتف Phone) و(تجاهل Snubbing)، ولأنه لا يوجد كلمة مقابلة له باللغة العربية، تم اطلاق مصطلح «تفبي» على هذه الحملة.
والفكرة بدأت من أستراليا، وهاهي تصل الى الكويت، حيث الناس هنا (كما في باقي دول العالم) بدأوا يندمجون كثيراً في مسألة التعامل مع الهواتف الذكية خلال جلوسهم مع الآخرين، وبالتالي أصبحنا نتجاهل من حولنا دون ان نعيرهم انتباهنا، والمشكلة ليس في هذه الظاهرة فحسب، بل في تقبلنا لها بحيث أصبحت نشاطاً مقبولاً، ولا أحد يستنكره، وهذه هي المشكلة في ظني.وبالمناسبة هذا ما تفعله بنا وسائل الاعلام الجديدة حين تظهر في أي مجتمع، حيث انها تعيد تشكيل ذلك المجتمع وعلاقات الأفراد ببعضهم بعضاً.نحن نتغير دون ان نشعر ودون ان ندرك، ويصبح الأمر أوضح بالأجيال الجديدة التي تنشأ لأنها تتعود على الوسائل الاعلامية والاتصالية الموجودة في المجتمع، ولا تدرك ما جرى من تغيير في المجتمع لأنها لم تعش ذلك الماضي، الذي كانت فيه وسائل الاعلام والاتصال بسيطة، وبالتالي ليس لديها ما تقارن به تجربتها الحالية المتمثلة بالإنترنت والاعلام الجديد، أما نحن الذين عاصرنا التلفزيون أيام بساطته وقلة قنواته، وأيام الهاتف الأرضي، وتفاعل الناس بكثافة اجتماعيا مع أهلهم وأصدقائهم، فنحن نحس بالمشكلة لأننا لدينا تجربة «قبل» و«بعد».المجتمع يتغير، نعم بلا شك، ونعيد نحن بناء علاقاتنا الاجتماعية، وهواياتنا وطبيعة مهاراتنا الاجتماعية من خلال اعتمادنا على وسائل الاتصال الجديدة، والتي بتنا نعتمد عليها كثيراً في تصريف شؤون حياتنا، بل وحتى في تقديم الترفيه والتسلية لنا، وفي التواصل مع الآخرين.نحن نتواصل مع الآخرين ليس مباشرة، بل من خلال الأسلاك والأجهزة، فغدونا نتخاطب مع الآلات، ونضحك مع الآلات، وننظر للعالم من خلال الآلات، حتى أصبحنا نحن والآلات شيئاً واحداً، وهنا الخطورة في ظني، ذلكم ان الاعتماد على الآلة، يحولنا بدون ان نشعر الى آلة، وهذا ما يجعل الانسان يفقد انسانيته، وبشريته.
ان الحملة التي أطلقتها مبادرة النوير، تستحق منا كل تقدير واحترام، والشكر موصول لرئيسة المبادرة الشيخة انتصار الصباح، ومعها المجموعة الشبابية الرائعة الذين التقيت بهم في المجمع.ونحن بحاجة ان تستمر هذه الحملة ومثيلاتها لكي تعيد لنا توازننا الاجتماعي والنفسي، فالهواتف الذكية نعمة تستحق الشكر والتقدير، لكن يجب ان نوظفها بطريقة ايجابية ونافعة، طبعاً لا مانع من الترفيه بها ومن خلالها، ولكن يكون لدينا نوع من التحكم بالآلة، لا ان تتحكم بنا الآلة.لا يصح ان نكون مع أسرنا أو أصدقائنا، ومع ذلك كل شخص يمسك بهاتفه، وينشغل به، على الرغم من أننا قررنا الخروج معاً لكي نتواصل اجتماعياً، لكننا جلسنا بقرب بعض، لكن أرواحنا ومشاعرنا واهتماماتنا بعيدة عنا، هذه ليست جلسة اجتماعية، بل جلسة تكنولوجية مادية ليس فيها مشاعر.علينا ان نتحكم بالوقت الذي ندخل فيه لمواقع التواصل الاجتماعي، لا ان ندخل في كل وقت وحين، فللنوم حقه، وللعبادة حقها، وللدراسة أو العمل حقه، ولقيادة السيارة حقها، وللأنشطة الأسرية والاجتماعية حقها، لأن حياتنا أوسع من ان نقصرها على العبث بالهاتف، وحياتنا أكبر من ان نختزلها في التجول في مواقع التواصل الاجتماعي، ولنتذكر ان الاعلام جزء من حياتنا، وليس حياتنا كلها.

د.خالد القحص
kalqahas@alwatan.com.kw
@drkhaledalqahs
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

292.0001
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top