مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أحسن الناس خلقاً

السيد ابوالقاسم الديباجي
2014/12/20   09:22 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



لقد جعل الله عز وجل في حياة نبي الاسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكثير من العبر والعظات ما يجعل كل ناظر فيها يتعجب منها، ويأخذ من حياته عليه الصلاة والسلام نبراساً يستضيء به، فهو شخصية عظيمة جداً، كيف لا وهو خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، وكل حركة من حركاته مؤيدة بالوحي.
وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه كان أحسن الناس خلقاً، وشهد بذلك العدو والصديق القريب والبعيد المؤالف والمخالف المعاشر والغريب، وقد أصبح الحديث حول أخلاق المصطفى صلى الله عليه وآله لابداية له ولا نهاية، ففي كل رواية تجد ملامح مكارم الاخلاق واضحة في كلامه صلى الله عليه وآله وفي أفعاله ونظراته وتعابيره حتى اشتهر رسول الله صلى الله عليه وآله بكثرة الحلم، وسعة الصدر، وتواضع النفس، والرحمة بالفقراء، واعانة الضعفاء والعفو عن المسيئين.. فكان مجمع الاخلاق الفاضلة والخصال الشريفة الطاهرة الزاكية فهو الذي ما صافح أحداً قط فنزع يده الشريفة من يد صاحبه، حتى يكون ذاك هو الذي ينزع يده وما حادث أحد قط في حاجة فانصرف عنه، حتى يكون المحادث هو المنصرف عنه وما رئي صلى الله عليه وآله مقدماً رجله المباركة بين يدي جليس له قط وما انتصر لنفسه من مظلمه الا اذا انتهكت محارم الله فكان غضبه لله تعالى فحسب، وما رد سائل حاجة الا بقضائها أو بطيب من القول.
وكان كلامه صلى الله عليه وآله فصلاً يتبينه كل أحد، ولم يكلم أحداً بشيء يكرهه، وكان يقول: «خياركم أحسنكم أخلاقاً».
فعجب منه الناس وأعجبوا بأخلاقه، وانجذبت قلوبهم اليه وهوت عنده فقالوا فيه حتى عجزوا وقد كفاهم قول الباري تبارك وتعالى يصفه ويثني عليه {وانك لعلى خلق عظيم} (القلم: 4). وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالاسلام وأعلن بأن الناس جميعاً خُلقوا من نفس واحدة، وأكد وحدة الأصل الانساني حيث قال الله تعالى في محكم آياته: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} (النساء: 1). فهم أخوة من أب واحد وأم واحدة.
وهذا الأصل الانساني يعطي كل فرد من أفراد العائلة البشرية حقوق الكرامة الانسانية دون استثناء أو تمييز {ولقد كرمنا بني آدم} (الاسراء: 70)، والحقوق هي: حق الحياة، حق الطعام، حق الشراب، حق اللباس، حق السكن والأمن والحرية.
ثم جعل الله اختلاف البشرية في ألوانها وأجناسها ولغاتها آية من الآيات الدالة على عظمته فقال: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ان في ذلك لآيات للعالِمين} (الروم: 22).
ويبين الله ان هذا الاختلاف لا يجوز ان يُتخذ وسيلة من أجل تمزيق الأسرة الانسانية واضطهاد بعضها لبعض، وانما يجب ان يكون وسيلة من وسائل التعاون البشري، والتعارف والتلاقي على الخير، ومصلحة الانسان حيث انطلق المبدأ الانساني الخالد في القرآن {يا أيها الناس انّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} (الحجرات: 13).
نعم، خلقنا الله عز وجل لنتعارف وليس لفرض عقائدنا على الآخرين ثم تكفيرهم وقتلهم ونهب ممتلكاتهم وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في سوق النخاسة والرجوع الى الجاهلية الأولى. ان الاسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسالته واضحة، وهي ان {لا اكراه في الدين} (البقرة: 256) و{قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين} (الكافرون: 6-1)، فلا يصح بأي حال من الأحوال اجبار واكراه الآخرين على قبول الاسلام، بل ان القرآن نفسه به آيات كثيرة تدعو الى احترام عقائد الآخرين حتّى ولو كانت فاسدة وغير صحيحة، وذلك لسماحة الاسلام. فأمرنا الله تعالى بعدم ايذاء غير المسلمين واثارتهم واهانة دينهم أو أديانهم عبر سبّ آلهتهم فقال سبحانه: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم} (الانعام: 108)، بل دعانا الى اتخاذ مسلك آخر أكثر ايجابية ومبدئية، وهو منهج الاحسان والدعوة بالحسنى بدل السبّ والشتم والشحناء، لأنه مناقض لمنهج الاسلام وغايته في تحقيق السلم، فقال تعالى: {ادْعُ الَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ان رَبَّكَ هُو أعلم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُو أعلم بِالْمُهْتَدِين} (النحل: 125). فإذا كان هذا الاسلوب مطلوبا ومأمورين به في تعاملنا مع غير المسلمين فكيف بتعاملنا مع بعضنا البعض ونحن مسلمون ونشهد الشهادتين وكتابنا واحد وقبلتنا واحدة.
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نموذجاً وقدوة في الرحمة والسلم اذ لما انتصر على قوى الكفر والطاغوت ورجع الى مكة فاتحاً كان أرحم بأهلها من الأم بولدها، وحقق السلم المطلق فلم تُرق قطرة دم في فتح مكة، ولما قال بعض أصحابه: «اليوم يوم الملحمة» قال: «بل اليوم يوم المرحمة»، وخاطب أهل مكة، قائلاً: «ما تظنون أني فاعل بكم»، وقد أقدره الله عليهم، قالوا: «أخ كريم وابن أخ كريم»، فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وكان يوماً سجله التاريخ في تحقيق الفتح بالسلم.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

1515.6374
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top