مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الفساد بما كسبت أيدي الناس

عمار كاظم
2014/12/19   09:43 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image

لابد لنا في عملية الإصلاح العملي أن نغير الذهنية الإنسانية لتكون ذهنية خير لا شر


يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} (الروم: 41). ويقول سبحانه: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} (الشورى: 30).
يؤكد الله تعالى في هاتين الآيتين، وفي غيرهما من الآيات الكريمة، حقيقة الأمن الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، فالفساد والفوضى لم ينزلا من الله تعالى على الناس بشكل مباشر، والفتنة التي تتحرك في حياتهم، والانحرافات الأخلاقية، والأمراض التي قد تصيبهم، والمشاكل المالية والاقتصادية؛ ليست عقوبة من الله سبحانه للناس في الدنيا على ما فعلوه، بل هي منطلقة من فعل الناس، فهم الذين يتحركون في سلوكهم بما يؤدي إلى فساد حياتهم، والفساد قد يحصل أيضاً بفعل السكوت عن المنكر وعدم محاربة البغي والطغيان، وتمرير المشكلات الإنسانية من دون أية معالجة.
وهكذا، يؤكد الله تعالى هذه الحقيقة، ليقول للناس: إن المشاكل والمصائب التي تنزل بكم تحدث من خلال ما كسبت أيديكم، سواء في البر أو في البحر. وعلى الناس أو يواجهوا هذا الفساد إذا أرادوا أن يعيشوا بسلام أن يعملوا بوسيلة وبأخرى لمواجهة هذا الفساد وإساقطه، وإذا كان الناس يشكون مما يحدث لهم من هذه الفوضى والفتن والفساد، فإن عليهم أن يتذكروا قول الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11).
ويحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله عن حال وقوف الأقوياء في المجتمع ضد الضعفاء، ليصادروا أمنهم وحياتهم، يقول صلى الله عليه وآله: «كيف يقدس الله قوماً لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم». فعلى الأمة أن تعمل على أساس أن تقف ضد الأقوياء، لتكون الأمة في موقع القوة ضد هؤلاء الذين يسعون في الأرض فساداً.
ويحدثنا الله تعالى عن بعض المفسدين الذين عاشوا في التاريخ، يقول تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} (القصص: 4)- جعلهم فرقا يحارب بعضهم بعضا، وهذا ما نراه في الزعامات التي تعمل على تفريق المجتمع الواحد وتمزيقه وكان من الذين أفسدوا الواقع الإنساني من خلال سياسته وظلمه وجبروته.
ويحدثنا الله تعالى عن الطاغية والمفسد المالي قارون. يقول تعالى: {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} (القصص: 76 – 77)- ليكن مالك وسيلة من وسائل تحقيق ما أراده الله- ولا تنس نصيبك من الدنيا- فلا يحرمك الله من أن تستغل أموالك في حاجاتك من حلال- ولكن هذا الرجل انتفخ وأخذه الطغيان فأذاقه الله نتيجة عمله وأنزل عليه العذاب بما أفسد في مجتمعه.
وورد عن رسول الله صلى الله عليه واله: «صنفان من أمتي اذا صلحا صلحت أمتي، واذا فسدا فسدت أمتي»، قيل: يا رسول الله، ومن هما؟ قال: «الفقهاء والامراء». فاذا فسد الفقهاء ولم يقوموا بمهمتهم ورسالتهم في ارشاد الناس وتوعيتهم، ولم يعملوا بما يملكونه من علم، بل حاولوا ان يقدموا الى الناس علما لا حق فيه، وباطلا يصورونه لهم على انه الحق، ويعملون على اساس الاتجار بالدين ليكون الدين مجرد تجارة يتعيشون منها، فان الناس ستفسد بطبيعة الحال. وهكذا الامر بالنسبة الى الامراء الذين يحكمون الناس بغير الحق والعدل، فاذا فسدوا، فان المجتمع سيفسد لا محالة.
وهناك فريق من الناس، من المفسدين في عقائدهم وسلوكهم وبرامجهم واوضاعهم، اذا حدثتهم عن فسادهم، فانهم يستنكرون عليك ذلك، ويقدمون انفسهم على انهم من المصلحين، لذلك علينا ان نحذر الناس منهم، يقول تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} (البقر: 11 – 12).
إن على الامة كلها ان تعمل لمعالجة قضايا الفساد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والامني حتى يسلم للمجتمع توازنه وامنه واستقامته يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} (الروم: 41) يؤكد الله سبحانه وتعالى في هذه الاية ان ما يحدث في العالم الانساني كله، من فساد اجتماعي واقتصادي وسياسي وأمني، على مستوى حركة الانسان في كل معاملاته وعلاقاته، وعلى مستوى الآلام التي تعاني منها المجتمعات، والخسائر التي تصاب بها، والانهيارات التي تحدث فيها، يتحمل مسؤوليته الانسان، لأن الله سبحانه وتعالى قد رسم للانسان خطا مستقيما ينفتح على القيم الروحية التي تتحرك في خط تقوى الله ومحبته والايمان به والخشية منه، وعلى القيم الاخلاقية التي تحكم حركة الانسان في نفسه، ومجتمعه وفي الامة كلها.. فالإنسان هو المسؤول عن كل ما يحدث له في حياته العامة والخاصة من اوضاع، وعلى هذا الاساس لا يمكننا ان ننسب تلك الاحداث الى الله بشكل مباشر، فالله سبحانه وتعالى هو ولي الكون كله، وقد وضع للإنسان نظاما يصلح له حركته في الحياة واراد له ان يأخذ به ويلتزمه، ولكن الإنسان انحرف عنه فكان نتيجة ذلك الفساد، مع علم الله سبحانه بما يحدث للإنسان.
فالانسان هو صانع الفساد، وهو صانع الصلاح، ولذلك كانت دعوة الانبياء أممهم الى ان يأخذوا بأسباب الصلاح والاصلاح، وهذا ما جاء في القرآن الكريم على لسان أحد الانبياء (ع): {ان اريد الا الاصلاح ما استطعت} (هود: 88)، فأنا اريد ان اصلحكم، وان اجعل الصلاح هو الذي يسيطر على كل مجتمعاتكم، لتكون مجتمعات خير وانتاج وسلام، وهكذا عندما نستعيد عاشوراء، فإننا نقرأ ان الحسين (ع) انطلق في حركته من اجل الاصلاح في أمة جده، وفي القرآن الكريم، نقرأ قول الله تعالى: {ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، ليعرفنا سبحانه ان الانسان هو الذي يصنع التغيير، من خلال فكره الذي ينفتح على سلوكه وعلى علاقته بالناس وبالحياة كلها، حتى ان الله تعالى قد يقدر سلب النعم عن الناس، سواء كانت نعما في حياتهم الاقتصادية او في حياتهم الامنية او الاجتماعية، في حال تغيرت ممارساتهم العملية التابعة لأفكارهم، بحيث تصبح في خط الفساد وخط المآسي والانهيار، يقول تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الانفال: 53)، فالله يريد ان يقول للانسان: غير نفسك تغير الواقع، لان الواقع يتجسد من خلال الفكرة الداخلية التي تحكم التخطيط الانساني لطبيعة حركته في الحياة، وورد في هذا المجال ايضا قوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت امنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} (النحل: 112)، وعلى ضوء هذا، لابد لنا في عملية الاصلاح العملي الواقعي من ان نصلح العنصر الفكري للانسان، بأن نغير الذهنية الانسانية لتكون ذهنية خير لا ذهنية شر، ولتكون حركته حركة عدل لا حركة ظلم، وانطلاقته انطلاقة الاستقامة لا انطلاقة الانحراف.

عمار كاظم
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

4909.9166
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top