مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

رحرحة

الصديق العالق

أسامة غريب
2014/12/16   09:44 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



الذين يسافرون كثيراً مستخدمين الطائرات يصادفون عجائب بالمطارات المختلفة، ومن ذلك أنه أثناء احدى الرحلات من نيويورك الى مونتريال كنت أجلس مع أحد أصدقائي في الصالة بجوار بوابة السفر، وكنا مع بقية ركاب الرحلة في انتظار النداء الذي سنصطف بعده لندخل الى الطائرة. وهنا سمعت نداء بالميكروفون يوجهه المسؤولون عن الرحلة الى السادة الركاب سائلين اياهم اذا كان من بينهم مَن يمكنه ان يؤجل رحلته ويتنازل عن مقعده الى شخص يبدو أنه كان في حاجة ماسة الى السفر العاجل. أخذت أتطلع الى الركاب لأرى أيهم سيقوم بدور الشهم الذي سينتظر للرحلة التالية وموعدها بعد أربع ساعات من هذه الرحلة. لم يتطوع أحد بالتنازل عن مقعده.. يبدو ان الجميع مرتبطون بمواعيد بعد الوصول ولا أحد يرغب في تعطيل جدوله. لكن بعد حوالي خمس دقائق أعلنت الموظفة عن عرض جديد.. مائة دولار يقدمها الرجل لمن يتنازل عن مقعده ويقبل السفر على الرحلة التالية. نظرتُ الى صديقي وابتسمنا وتطلعنا الى الركاب الذين سرت بينهم همهمة عرفنا منها ان المبلغ غير كاف ليثير شهية أحد ليكابد ملل الانتظار لعدة ساعات أخرى.. صحيح ان المطار مسل ومليء بالمطاعم والأسواق والحوانيت، لكن الذين وصلوا الآن الى بوابات السفر نالوا بالفعل نصيبهم من التسلية والتسوق وفعلوا كل ما يمكن فعله وأصبحوا راغبين في الرحيل. قال لي صديقي: ان هذا الرجل الذي يطلب المقعد بالغ السذاجة.. لو أنه أعلن أنه مريض أو لديه ظرف انساني عاجل يقتضي السفر لوجد بضعة أشخاص يمنحونه أماكنهم عن طيب خاطر. قلت له: هل تلومه على أنه لا يكذب؟ قال: لو ان التنازل عن المقاعد مسموح به في مطاراتنا كما يحدث هنا لوجدت هذا الأخ يمثل مشهداً من أحد أفلام يوسف وهبي يزعم فيه ان أمه ماتت محروقة أو خالته ضربها تسونامي ليستدر عطف الركاب ويستولي على مقعد أحدهم!. ضحكتُ من مخيلته الواسعة وانتظرت لأرى بقية المشهد. لم يستجب أحد للعرض، الأمر الذي دفع الزبون لرفع المبلغ الى مائتي دولار. كانت المشكلة ان أغلب الركاب عبارة عن زوجين أو عن عائلة ولا يسهل بالتالي على أحدهم ان ينفصل ويترك من معه، وتعلقت الأنظار بالمسافرين فرادى بلا رفاق الذين يبدو أنهم غرقوا في التفكير في جدوى العرض. ما أدهشني ان شركة الطيران التي كانت مجرد واسطة خير ولم تكن طرفاً في الموضوع تطوعت بتقديم قسيمة شراء مقبولة لدى مطاعم المطار قيمتها عشرون دولاراً لمن يقبل العرض، وكان هذا موقفاً ايجابياً من مسؤولي الرحلة لصالح أحد الركاب الذي يبدو أنه كان حائزاً على بطاقة «المسافر الدائم» التي تمنح صاحبها حظوة لدى الشركة الناقلة.
واضح ان العرض لم يجذب اهتمام أحد، فالجميع يتطلع لركوب الطائرة التي ستقلع في غضون دقائق بعدما بدأ الركاب يقفون في صفوف ويدخلون الى الأنبوب. ومرة أخرى ربما كانت الأخيرة ينفتح الميكروفون ليعلن عن ثلاثمائة دولار تذهب لمن يقبل التنازل عن مقعده.. وهنا فوجئت بالصديق الذي يرافقني في رحلتي يرفع يده ويتجه الى الموظفة يمنحها بطاقته فتقوم بتغييرها على الفور وطبع واحدة جديدة له على الرحلة التالية مع ثلاثمائة دولار وقسيمة الشراء.قبل ان أسأله عما فعل بادر هو بالتوضيح قائلاً: المبلغ يا صاحبي أكبر من ثمن التذكرة ومعنى هذا أنني سأسافر بالمجان، ولا بأس بالانتظار بضع ساعات فالدنيا لن تطير. ضحكت من طريقته العملية في حساب الأمور.. لقد كنت أظن ان وجودنا معاً يمنع أحدنا من التفكير في عرضٍ كهذا، وكنا قد ذهبنا معاً الى نيويورك لقضاء الاجازة وها نحن نعود الى مونتريال ومازال الغد عطلة أيضاً.. لا بأس فعلاً اذا قبل العرض فليس لديه ما يخسره. سلمت عليه ودخلت الى الطائرة التي أقلعت مباشرة وبعد أقل من ساعة كانت تهبط في مونتريال.
قبل الخروج من المطار كانت الأخبار قد انتشرت عن العاصفة الثلجية التي ضربت الساحل الشرقي منذ قليل، وهو ما سيؤدي تلقائياً الى ان شركات الطيران ستضطر الى تعليق رحلاتها بمونتريال وهاليفاكس ونيويورك وبوسطن وغيرها من المدن القريبة من ساحل الأطلنطي. هذا معناه ان صديقي الطَموح سيبيت على حسابه بأحد فنادق مطار لاجوارديا حتى استئناف الرحلات مرة أخرى، فشركة الطيران ذات التكلفة المحدودة التي تبيع تذاكرها بأسعار رخيصة لن تمنح أحداً قسائم مبيت، وهذا الأمر معروف مقدماً.. مسكين صاحبي الذي أخذ تذكرة رجل كان يعرف بالتأكيد ما سيحدث.. أخذ التذكرة والفلوس وهو يظن نفسه من المحظوظين فاذا به من العالقين!

أسامة غريب
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

343.756
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top