مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

المولود والمفقود..في قمة الدوحة

عبدالله بشارة
2014/12/14   09:59 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



يتوجه هذا المقال الى الحديث عن الجديد في قمة الدوحة وعن الشيء الذي غاب عنها، معتمدا على معايشة طويلة ومتابعة لأعمال المجلس.
وبدون شك فإن قمة الدوحة شهدت تجديدا في اختصار اللقاءات الى يوم واحد فقط، وهو عنصر محمود في هذا الزمن الذي تتوافر فيه وسائل الاتصال ويمارس فيه زعماء العالم دبلوماسية الهواتف، وفي رأيي بأن الاختصار سيزيد الحماس للمشاركة، لكن الاختصار يحتاج الى تخفيف الاجراءات البروتوكولية الخانقة واضافة المزيد من الانفتاح في اجرءات المرور والحراسة وكذلك تحاشي الهوجة الاعلامية الموسمية واستبدالها بالاعلام التحليلي الخالي من أساطير الثناء والتغني بالأمجاد.
وما سرني أكثر، تفاعل قمة الدوحة مع الوثبة الشبابية التي تمثلت في حضور من يمثل الشباب في افتتاح القمة بكلمات لها الكثير من المعاني قدمها شاب وشابة من قطر.
وأعجبتني مبادرة الشيخ تميم بن حمد أمير قطر في تكريم سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد بعد اختياره قائدا للانسانية من قبل الأمم المتحدة، بحضور القادة الذين عبروا عن فرحة صادقة واعتزاز جماعي بهذا الاختيار.
كما لفت نظري دعوات المشاركة التي خرجت من قطر للجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الاسلامي وغرف التجارة الخليجية ورؤسائها، مع التقليل من الحشد الاعلامي الذي كنا نشاهده في القمم السابقة.
ومن الملاحظ في هذه القمة مبادرة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد في تقديم استعراض شامل عن مسؤوليات رئاسة الكويت للدورة الماضية لمجلس التعاون وابرازه مقترحات حول الأسلوب الأمثل للانتقال من التعاون الى الاتحاد عبر التدرج والتركيز على الأبواب الاقتصادية ذات المردود الملموس، والتعامل الواقعي مع التباين في الاجتهادات حول القضايا السياسية والاقليمية، وكانت الوفود المختلفة تردد الدور المميز لسمو الأمير في اصلاح العطب الذي أصاب مسيرة المجلس.
ومن أبرز الأشياء المستجدة في قمة الدوحة ما تمثل في خطاب الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر، الذي أبحر بعيدا في معانيه ومفرداته، وأضاف الى التعبيرات التجميلية المعتادة، وكرر الالتزام باطار الترحيب والسرور ومشاعر السعادة في حضور القادة والتئام الأشقاء، لكنه فوق ذلك قدم خطابا سياسيا يشكل نهجا في أسلوب التعاطي في العلاقات الثنائية بين دول المجلس، واستحضر ضرورات التقبل في التباين في الاجتهادات بين الأشقاء وفي كلمات تضغط بأن هذا التباين يجب ألا يؤثر في الزخم الذي يتميز به مجلس التعاون وأن يبقى الاطمئنان في حسن النوايا وأن يظل الالتزام الجماعي في تنفيذ قرارات المجلس بعيدا عن هذا التباين.
ويمكن القول إن خطاب الشيخ تميم يتحدث عن مبدأ لا مفر من قبوله من أجل الحفاظ على مكانة المسيرة وضمان نجاحها وهو التقبل الجماعي للاختلاف في المساعي، معتبرا ذلك المبدأ القوي الذي يحصن المجلس من توتر الأعصاب ولا يسمح بحدوث أزمات من النوع الذي جرى في العام الماضي.
وبهذا السياق يأمل الشيخ تميم بأن تؤسس قمة الدوحة لانطلاقة جديدة في العلاقات الخليجية عبر تعزيز روح التآخي والتضامن القائم على وحدة الصف والهدف، مع استمرار آليات التعاون والتعاضد، وعدم تأثرها بالاختلاف في الرأي، ويرى الشيخ تميم بأن السبيل الناجع لقبول حقائق التنوع ضمن التوافق Diversity in Unity، هو ارساء أسس متينة للمجلس وفعالة في التأكيد على ان استمرار العلاقات بين شعب الخليج أمر مفروغ منه، لا علاقة له باختلاف المساعي، لأن روابط العامل المشترك بين أبناء هذا الشعب فوق عناصر الاختلاف حيث يقول «وحدها الممارسة التي تضع التعاون فوق الخلاف، وهي التي تحول مجلس التعاون الى كيان حقيقي وتبني مضمونا لمقولة ان المجلس هو المنظمة العربية الفاعلة على الساحة الاقليمية والدولية ويحق لنا عندئذ ان نأمل ان نشكل نموذجا للأطر العربية الأخرى».
ويستطرد الشيخ تميم في التأكيد على ضرورة التآلف والتفاهم في اطار المجلس وتقبل مساحات للاجتهادات في المساعي، وهو الأسلوب الأوحد لبناء منظمة خليجية تحدد مكانتها في الخريطة السياسية للمنطقة وفق قدرتها الجماعية ومصالحها المشتركة لأن القوى الدولية الكبرى لا تعطي وقتا للخليجيين ليرتبوا أمورهم ولا تصغي للمناقشات الأخلاقية فلا مكان للدعوية اللغوية عندها لأنها تسير وفق لغة المصالح وهي مع من يثبت قوته على الأرض.
ومن شروط التعامل مع الإرهاب الذي لا يميز دينا عن دين أو حضارة بعينها والوقاية منه، تكون بمعالجة نقص المناعة وبتقليل احتمال انتشار العدوى.
ومن التحولات التي لفتت نظري هذا الكم الهائل من المسؤوليات الاقليمية والدولية التي وضعتها التطورات على كتف مجلس التعاون والتي جاءت من افرازات الارهاب والفوضوية الفكرية السياسية، وهي مسؤوليات لا تقف عند سقف ولا سياج حولها، فلم يعد دور المجلس محصورا في ممارسة التبرعات المالية والدعم الاستثماري كما لم تعد المتطلبات محصورة في المساعي الدبلوماسية والعزف على الحان حسن النوايا والاعتماد على المصداقية ونثر الاعتدال وانما المطلوب هو المشاركة في الحضور الأمني والوجود العسكري في مناطق ممتدة من سورية واليمن وليبيا ومشاركة بحرية في الممرات المائية الدولية لضمان الملاحة فيها.
هذا واقع لم يكن موجودا بهذا الاتساع في العقد الماضي، فلم يكن مجلس التعاون طرفا في ارتباطات عسكرية حتى أيام الحرب العراقية – الايرانية، كان التواصل مع الأسرة العالمية محصورا في المساعي الدبلوماسية والاقتناع والضغط الدولي على المتحاربين.
ولا أعرف مدى قدرة الأجهزة وحجم الخبرة وسخاء الثروة التي يستطيع المجلس توفيرها لهذه المسؤوليات الثقيلة والمتشعبة التي لم يتوقعها أحد وفرضت على المجلس، بسبب انهيار الآخرين، هذا العبء غير المسبوق.
هذه حقائق تعكس توقعات العالم من مجلس التعاون وهو ثمن عال للترابط الخليجي – الدولي في الاستراتيجيات الجيو-استراتيجية والاقتصادية والاستثمارية وترابط أمن الخليج مع ازدهار واستقرار الأسرة العالمية ومع قرار الدول الكبرى بتشكيل ائتلاف دولي لمواجهة الارهاب تحتل دول الاقليم - لاسيما دول مجلس التعاون- الصف الأول فيه.
ومن الطبيعي ان تبرز خلافات في المفاهيم بين أعضاء الأسرة الدولية حول تطبيق المشاركة ضد الارهاب ولاسيما وأن بعضها مثل واشنطن تشترط المشاركة الخليجية في عمليات ليبيا وسورية واليمن، ووجودها المؤثر من أجل ضمان قبول الكونجرس الأمريكي التدخل العسكري الأمريكي، وكانت السيدة هيلاري كلينتون وزير خارجية أمريكا السابقة، صريحة في اعترافاتها في مذكراتها «الاختيارات الصعبة» عن الخلافات بينها وبين الشيخ عبدالله بن زايد وزير خارجية الامارات حول طلبها مشاركة الامارات في الحملة ضد القذافي، واختلافها معه حول التدخل في البحرين، ويتضح من نبرات الكلمات بأنها تتذمر كثيرا من التردد الخليجي، وتصر على غطاء يرضي رجال السياسة والقرار في واشنطن.
وستزداد الأعباء على دول المجلس طالما استمرت الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية سيئة ومضطربة في المنطقة وفي أحوال النفط المنبع الأساسي للقوة الاستثنائية التي تتمتع بها دول المجلس، التي تواجه الآن ضرورات دعم الوضع الاقتصادي في كل من مصر واليمن والأردن، بالاضافة الى بناء قوة أمنية خليجية جماعية تعالج الخلل الاستراتيجي في علاقاتها الاقليمية مع ايران المسكونة بالخيار النووي الرادع.
وسرني كثيرا محتويات اعلان الدوحة وهو وثيقة منسجمة مع خطاب الشيخ تميم الافتتاحي، خاصة التأكيد على رفاه الانسان وصون كرامته وضمان كافة حقوقه وحماية مقدراته وصون آدميته.
تدخل دولة قطر في مسار رئاسة مجلس التعاون حاملة معها ملفا معبئا بالأثقال التي تحتاج الى حكمة وحصافة لمعالجتها، تحدث عنها خطاب الشيخ تميم بن حمد، أمير قطر، في الدورة الخامسة والثلاثين للمجلس الأعلى التي عقدت في الدوحة في الأسبوع الماضي، وأتخيل بأن القمة القادمة ستتعامل مع ملفات تحمل أعباء اضافية على كاهل المجلس، وسوف يستمر التكاثر الثقيل الى ان تنتهي مآسي الاقليم ويعود الوضع طبيعيا، وعلينا بالصبر الى ان يتحقق ذلك الحلم.

بقلم: عبدالله بشارة
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

281.2534
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top