مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

محكمة قانون لا محكمة ثورة

ثروت الخرباوي
2014/11/30   10:07 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



أكتب هذه المقالة قبل ان يصدر الحكم المرتقب في قضية الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بساعات، وقد أخذت هذه القضية دورتها القانونية، فمنذ أكثر من مائة وثلاثين عاما هي عمر القضاء الحديث وجلسات المحاكم لا تنعقد الا بكلمة شهيرة يصيح بها «حاجب المحكمة» هي كلمة: محكمة.. ومن بعدها تدخل هيئة المحكمة الى القاعة وتجلس على منصة القضاء لتبدأ وقائع تطبيق العدالة على العباد من المتقاضين والمتهمين، لا جديد اذن تحت شمس العدالة، فاذا ما صدر الحكم ضد المتهم كان له الحق في ان يطعن بالنقض، وقد حدث في قضية «مبارك» ان صدر الحكم ضده، فطعن بالنقض، وقضت محكمة النقض بالغاء حكم الادانة واعادة المحاكمة مرة أخرى، وفي جلسة المحاكمة الجنائية الجديدة لمبارك وابنيه استمعت المحكمة الجديدة للمرافعات وشهادة الشهود، ثم قررت ان تحجز الدعوى للحكم، وفي اليوم الموعود سيقف حاجب المحكمة ليصيح قائلا: محكمة، لتدخل دائرة محكمة الجنايات لتضع مبارك في فصل جديد من فصول تاريخ مصر الحديث.
ينتظر البعض ان تقوم المحكمة بادانة المتهم بأي شكل من الأشكال، وحين يتشدد بعضهم يطالب باعدام المتهم، فالسجن وحده في عقيدتهم لا يكفي، وفي ذات الوقت يطالب البعض الآخر ببراءة المتهم ويسوقون لذلك عدة أسباب منها كبر سن الرئيس الأسبق ودوره الكبير في حرب أكتوبر، ولكن هذا الحوار يدور بعيدا عن أوراق الدعوى حيث يظن كل واحد من أصحاب الفريقين أنه صاحب الحق المطلق وأن دور المحكمة الوحيد هو تنفيذ رغباته، وبغض النظر عن الدوافع الشعورية التي تحرك أصحاب طلب البراءة فان الذي لفت نظري هم أصحاب طلب الادانة اذ شنوا هجوما كبيرا على القضاء المصري دون ان يكون الواحد منهم فاهما للقانون عارفا لطبيعة التقاضي.
يظن هؤلاء الذين يعيشون في الوهم ان هذه المحكمة هي محكمة ثورة، وأن الحكم يجب ان يصدر بالادانة، ألم تقم ثورة؟ ويسقط نظام؟ فيما اذن كانت الثورة اذا لم يتم الحكم على رأس النظام؟ ويبدو ان هؤلاء نسوا أنهم شاركوا في الاستفتاء على تعديل دستور 1971 الذي أشرف عليه طارق البشري وصبحي صالح ووقعت القوى السياسية في فخه، حينئذ قلتُ ومعي نخبة من كبار فقهاء القانون مثل الفقيه الدستوري الدكتور ابراهيم درويش والمستشار حمدي ياسين عكاشة نائب رئيس مجلس الدولة ان قيام ثورة يعني سقوط نظام، والنظام حين يسقط لا يسقط وحده ولكن يسقط معه الدستور الذي كان ينظم القواعد التي سار عليها هذا النظام الساقط، فاذا قمنا بالاستفتاء على تعديل دستور ساقط فمعنى هذا أننا نعيد هذا الدستور الى الحياة مرة أخرى، ونجعله بديلا للشرعية الثورية.
الشرعية الثورية فقط هي التي كانت تكفل محاكمة رؤوس النظام السابق في محاكم ثورة تأخذ بالمشهور بين الناس عن جرائم الفساد والتي قامت عليه بعض القرائن، ولكن الاخوان تلاعبوا بالقوى السياسية والثورية الساذجة، ولم يبق أمام الدولة الحديثة التي يقودها المجلس العسكري الا ان تحيل رؤوس النظام السابق للمحاكمة أمام محاكم قانون تخضع لقوانين العقوبات والاجراءات الجنائية والاثبات، وتلتزم فقط بالشرعية الدستورية، الأوراق والأدلة الثابتة في تلك الشرعية الدستورية هي فقط التي تحرك حكم القاضي، والقاضي فيه لا يحكم على المتهم الا وفقا للدستور وقواعد الاثبات، حتى ولو توافر لديه علم خاص بالجريمة ومرتكبها، ووفقا للقواعد الأصيلة التي استقر عليها القضاء المصري فان المحكمة لا تستطيع ان تترك القانون لتستجيب لمشاعر الغاضبين أو رغبات شريحة من شرائح المجتمع، فالقاضي لا يقضي حين يقضي الا من صومعته التي عاش في محرابها منعزلا عن أي تأثير، واذا كنا قد فرغنا من عبادة «الثورة على حاكم ظالم» فنحن الآن نمارس عبادة «اعدلوا هو أقرب للتقوى».

ثروت الخرباوي
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

190.0002
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top