مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

رأس العقل معاشرة الناس بالجميل

السيد ابوالقاسم الديباجي
2014/11/29   09:32 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



نعيش هذه الايام ذكرى شهادة السبط الأول لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) والامام الثاني من أئمّة أهل البيت (ع) الامام الحسن (ع).
كان الامام الحسن بن علي (ع) معلما شامخا في حركة المسيرة الانسانية وهو علم الهدى وقدوة المتقين ومجمع الفضائل ومنتهى المكارم الذي عرف بالعلم والحكمة والحلم والكرم والصدق والزهد وسائر الكمالات الانسانية.
نشأ الامام الحسن (ع) في ظلّ الأُسرة النبوية وتغذّى بطباعها وأخلاقها، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المربّي الأول للامام (ع) وكان كثير الاهتمام به ولطالما أكّد على محبته ومحبة الحسين (ع) حيث قال: «من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبني» وقال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».
وقد رزقه الله تعالى الفطرة الثاقبة منذ نعومة أظفاره، وصغر سنّه، فذكر أصحاب السير ان الحسن (ع) كان يحضر في مسجد رسول الله(ص) وعمره سبع سنين، وكان يستمع الى جدّه ويحفظ ذلك كله، ويأتي الى أمه الزهراء (ع) يحدثها بذلك، وكان الامام علي (ع) يأتي الى البيت ويجد كل ما تحدث به رسول الله (ص) الى المسلمين في المسجد عند فاطمة (ع)، فيقول لها (ع): من أين لك ذلك؟ فكانت تقول: انه من ولدي الحسن، مما يدل أنه (ع) كان ينفتح على علم رسول الله (ص) ويعيش اهتماماته به.
وهناك قصة أخرى توضح الأثر العلمي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في شخصية الحسن (ع) اذ قال حذيفة بن اليمان :بينما كان رسول الله (ص) في جماعةٍ من أصحابه، اذ أقبل اليه الحسن، فأخذ النبيّ في مدحه، فما قطع رسول الله كلامه، حتّى اقبل الينا أعرابيّ يجرّ هراوةً له، فلما نظر رسول الله صلّى الله عليه وآله اليه قال: «قد جاءكم رجل يكلمكم بكلامٍ غليظ، تقشعرّ منه جلودكم، وانّه يسألكم من أمور، ان لكلامه جفوة»، فجاء الأعرابيّ فلم يسلّم وقال: أيّكم محمّد؟، قلنا: ما تريد؟، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مهلاً»، فقال: يا محمّد لقد كنت أبغضك ولم أرك، والآن فقد ازددت لك بغضاً. فتبسّم رسول الله (ص)، وغضبنا لذلك، وأردنا بالأعرابيّ ارادة، فأومأ الينا رسول الله أن: «اسكتوا». فقال الأعرابيّ: يا محمّد: انّك تزعم: أنك نبيّ، وأنّك قد كذبت على الأنبياء، وما معك من برهانك شيء. قال له: «يا اعرابي وما يدريك؟»، قال: فخبّرني ببرهانك، قال: «ان أحببت أخبرك عضو من أعضائي، فيكون ذلك أوكد لبرهاني»، قال: أو يتكلّم العضو؟، قال النبي (ص): «نعم، يا حسن قم!»، فازدرى الأعرابيّ نفسه وقال: هو ما يأتي، ويقيم صبيّاً ليكلّمني، قال: «انك ستجده عالماً بما تريد».
فابتدره الحسن (ع) وقال: «مهلاً يا أعرابيّ.ما غبيّاً سألت وابن غبيّ، بل فقيهاً اذن وأنت الجهول، فان تك قد جهلت فان عندي، شفاء الجهل ما سأل السّؤول، وبحراً لا تقسمه الدّوالي، تراثاً كان أورثه الرسول، لقد بسطت لسانك، وعدوت طورك، وخادعت نفسك، غير أنك لا تبرح حتّى تؤمن ان شاء الله».
فتبسّم الأعرابيّ وقال: هيه!، فقال له الحسن (ع): «نعم، اجتمعتم في نادي قومك، وتذاكرتم ما جرى بينكم، على جهلٍ وخرقٍ منكم، فزعمتم: ان محمداً صنبور والعرب قاطبةً تبغضه، ولا طالب له بثأره، وزعمت: انّك قاتله، وكان في قومك مؤنته، فحملت نفسك على ذلك، وقد أخذت قناتك بيدك تؤمّه تريد قتله، فعسر عليك مسلكك، وعمي عليك بصرك وأبيت الاّ ذلك، فأتيتنا خوفاً من ان يشتهر، وانّك انما جئت بخيرٍ يراد بك».
أنبئك عن سفرك: خرجت في ليلةٍ ضحياء، اذ عصفت ريح شديدة، اشتدّ منها ظلماؤها وأطلّت سماؤها، وأعصر سحابها، فبقيت محر نجماً كالأشقر،.. فأبصرت فاذا أنت عندنا فقرّت عينك، وظهر رينك، وذهب انينك»، قال الأعرابي: من أين قلت يا غلام هذا؟ كأنك كشفت عن سويد قلبي، ولقد كنت كأنّك شاهدتني، وما خفي عليك شيء من أمري، وكأنّه علم الغيب. ثم قال الاعرابي للامام الحسن (ع): ما الاسلام؟ فقال الحسن (ع): الله أكبر، اشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله.
فأسلم وحسن اسلامه، وعلّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً من القرآن. فقال: يا رسول الله: أرجع الى قومي فأعرّفهم ذلك؟ فأذن له، فانصرف ورجع ومعه جماعة من قومه، فدخلوا في الاسلام. فكان الناس اذا نظروا الى الحسن (ع) قالوا: لقد أعطى ما لم يعط أحد من النّاس. نعم، هذا نموذج من المقام العظيم للامام الحسن (ع) في أيام طفولته والذي نهل من معارف النبوة وتغذى من آداب الرسالة وأصبح يقارع عقول الرجال على الرغم من صغر سنه.
وهنا ننقل بعض أقوال الحسن (ع) والتي نحن بحاجة اليها، ولنتدبّر بها، فمن أقواله (ع(: «أوصيكم بتقوى الله والعمل في سبيله والاستقامة بين يديه سبحانه وتعالى، والتفكر من أين جئنا والى أين سنرحل؟»، فلابد من التفكّر، فان الانسان عندما يفكّر لا يندم على فعله، ولذا قال أمير المؤمنين (ع): «لا يغش العقل من استنصحه»، لأن التفكر يكون من خلال العقل، ومن هنا فلا يغش العقل من استنصحه.
ومن هنا نرى ان هناك وجوداً لسهام الشيطان في أي أمر غير صحيح، لذا نحن اليوم بحاجة الى نصيحة العقل من أجل حلّ كل أمورنا، ثم قال (ع): «لا أدب لمن لا عقل له، ولا مروة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك سعادة الدارين جميعا، ومن حرم العقل حرمهما جميعا»، أي الذي يتجاوز حدود الآخرين ويسيء لهم ولا يحترم آراءهم وعقائدهم - وهذا ما نشاهده وما نراه - هو خارج عن حدود العقل، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، فعندما لا يكون هناك معاشرة بالجميل يكون التسلط والظلم والتشاحن والبغض، وبالعقل تدرك سعادة الدارين، فمن خلال العقل يعلم كيف يعبدالله تعالى، وبالعقل يعرف كيف يتعامل مع الناس الذين من حوله، ومن حُرم العقل، حرم سعادة الدارين.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

2857.7385
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top