مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الإمام زين العابدين (ع) وكيفية التعامل مع الآخرين

السيد ابوالقاسم الديباجي
2014/11/17   09:34 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



كان الامام الرابع من أهل البيت (ع) الامام علي بن الحسين زين العابدين(ع) مثالاً للكمالات العالية والقيم الانسانية الرفيعة، وزينة العبّاد المخلصين الصالحين، وعاشقاً لعبادة الله الخالصة، مع حضوره الدائم والفعّال في الميادين السياسية والاجتماعية للاسلام، فاستطاع بنشاطاته الدائبة ان يوصل مسؤولية الامامة وحملها الى من بعده بكل أمان واخلاص.
وكان (ع) سارحاً في العبادات والمناجاة الى حدٍّ نال وسام كبار سالكي الطريق الى الله، ولم يكن لعشاق الحقّ وعبّاد عتبة الربوبية حظّ ان يبلغوا كنه عبادته ولا يتتلمذوا بين يديه، وعلى هذا الأساس قيل له: زين العابدين وسيد الساجدين وذو الثّفنات.
وكان (ع) عندما يدخل المسجد عليه من الوقار والعظمة يجذب بها قلوب الناظرين اليه، يقول عبدالله بن سليمان: كنت مع أبي في المسجد فدخل علي بن الحسين (ع) ولستُ أثبته وعليه عمامة سوداء وقد أرسل طرفيها بين كتفيه فقلت لرجلٍ قريب مني: من هذا الرجل الذي أرى؟ فقال الرجل: ما لك لم تسألني عن أحد دخل هذا المسجد غيره.
قلت: لم أر أحسن منه هيئةً فلذلك سألتك عنه، فقال: انه علي بن الحسين (ع).
برز على الصعيد العلمي اماماً في الدين، ومناراً في العلم، وعالماً فقيهاً ومرجعاً لأحكام الشريعة وعلومها، ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى فكان يعقد الحلقات الدينية والفكرية في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، ويحدّث الناس بصنوف المعرفة الاسلامية، من تفسير وحديث وفقه وتربية وعرفان حتى أصبحت مجالسه محجّة للعلماء والفقهاء، وتخرج في هذه المدرسة قيادات علمية وفكرية حملت العلم والمعرفة والارشاد الى كافة البلاد الاسلامية.
ولم يترك الامام (ع) بحكم كونه اماماً الجانب الانساني والاجتماعي، حيث نجد في الروايات أنه كان يخرج في الليالي الظلماء يحمل الجراب على ظهره، فيقرع الأبواب ويناول أهلها من دون ان يُعرف، كما كان يشتري في كل عام مئات العبيد ليحررهم في الفطر والأضحى، بعد ان يربيهم التربية الاسلامية المباركة.
ومن وصاياه (ع)، ما جاء في وصيته لمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري حيث قال له: «احفظ عليك لسانك تملك به اخوانك، قال الزهري: يابن رسول الله! اني أحسن اليهم بما يبدر من كلامي.
قال علي بن الحسين (ع): هيهات هيهات! اياك ان تعجب من نفسك بذلك واياك ان تتكلم بما يسبق الى القلوب انكاره.وان كان عندك اعتذاره، فليس كل من تسمعه نكراً يمكنك ان توسعه عذراً.
ثم قال:يا زهري! من لم يكن عقله من أكمل ما فيه، كان هلاكه من أيسر ما فيه.
ثم قال: يا زُهري! أما عليك ان تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك فتجعل كبيرهم منك بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم منك بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة أخيك.فأي هؤلاء تحب ان تظلم، وأي هؤلاء تحب ان تدعو عليه، وأي هؤلاء تحب ان تهتك ستره.
وان عرض لك ابليس (لعنه الله) بأن لك فضلاً على أحد من أهل القبلة، فانظر ان كان اكبر منك فقل: قد سبقني بالايمان والعمل الصالح فهو خير مني، وان كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وان كان تربك فقل: انا على يقين من ذنبي وفي شك من أمره فما لي أدع يقيني لشكّي.
وان رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك فقل: هذا فضل أخذوا به وان رأيت منهم جفاءً وانقباضاً عنك فقل: هذا لذنب أحدثته، فانك اذا فعلت ذلك سهّل الله عليك عيشك»....
نعم فللعقل أهمية ودور في حياة الانسان ونجاته فالعلاقات الاجتماعية تحتاج الى مرجعية العقل وادارته وليس الأهواء والعصبيات والتي تؤدي الى التطرف والافراط والتفريط، فبالعقل يستطيع الانسان تحليل المواقف المختلفة واختيار الاسلوب المناسب في التعامل معها وذلك من خلال الحكمة والمداراة.
وقد وضع الامام (ع) منهجاً لسلوك الانسان في تعامله مع الآخرين وذلك بأن يغيّر نظرته لهم ويجعلهم بمنزلة أهله وأسرة واحدة فيجعل الكبير منهم بمنزلة الوالد والصغير منهم بمنزلة الولد والآخرين بمنزلة الاخوان فبذلك لن يظلمهم أو يدعو عليهم أو يسيء اليهم أو يهتك سترهم، وأن لا يرى لنفسه فضل عليهم ويبحث فيهم عنصر الخير ويذكّر نفسه دائما بعيوبها فالنفس تحدّث الانسان بأنه أفضل من الآخرين فيؤدي الى التعالي على الآخرين وعدم الاكتراث بحقوقهم بل وقد يؤدي الى التباغض والتشاحن والسب والشتم والاهانة وعدم الاحترام والتعدي على الممتلكات.
ثم ان يعي الانسان تماما ان ما يحصل عليه من شكر وثناء وتوقير وتعظيم ليس الا من الله وفضلا منه عليه وأن ما يلاقيه من جفاء وانقباض عنه ليس الا من نفسه فيبحث عن أسبابه في نفسه ويتهمها دائماً.
وبلاشك وتردد اذا اتبع الانسان هذا المنهج في تعامله مع الآخرين وخاصة المواطنين فسوف يعيش في أمن وسلام وسعادة وسيسهّل الله عليه عيشه وسوف يبني سداً وحصناً منيعين أمام الأعداء والحسّاد الذين يحاولون اثارة الفتن لتمزيق الوحدة الوطنية ونشر الفوضى في البلد وايقاف عجلة التنمية والتطور.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

782.5951
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top