مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أنا مع وضد

العدل والتقوى والتنمية

د. عبدالله يوسف سهر
2014/11/15   09:43 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



أنا
كلما أبحرت في معاني وتجليات مفهوم العدل غصت في بحور متعددة من التشابكات الفكرية ذات المدلولات المترابطة والتي تحتاج الى جهد فكري عظيم لنسج خيوطها في مصفوفة فكرية يرتاح على بساطها فهم يحاكي التعامل مع الأشياء في هذا الحياة التي أضحت تتقاذفها ارهاصات الظلم والقسوة والتنكر للحق والحقيقة. وبعد اطلاع على «أدبيات العدل» بين طرح فلسفي وعرض اقتصادي وسجال اجتماعي وآخر قانوني لم ترتخ بنات أفكاري المتوترة الا عندما لجأت الى ما ورد في كتاب الله عز وجل والذي ظهرت بين نواحي محكم آياته إحدى تجليات العدل كما فهمتها، ولا يمكن ان أدعي انها كما هي.لقد وردت آيات العدل برحاب القرآن في محال عديدة.وأول ما يتبين من تلك الصور المبهرة هو ذلك الارتباط الوشيج بين العدل والقسط، فيقول عز من قال:آن غالبا ما يأتي عاما للناس كافة خاصة حينما ينحصر معناه الحكم بين الناس حيث قال عز وجل {أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط} (الحديد 25)، ويقول عز من قال أيضا {«فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتّبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل اللّه من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربّنا وربّكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجّة بيننا وبينكم اللّه يجمع بيننا واليه المصير} (15الشورى).وفي هذه الآية ووفقا لما تناوله المفسرون للقرآن فان نبي الاسلام محمد صلى الله عليه وآله أكد أنه سيحكم بالعدل وفقا لما استقرت عليه الكتب السماوية. كما ان الله سبحانه وتعالى قد أسند خلق الكون على أحد مدلولات العدل وهو الميزان حينما قال: {والسّماء رفعها ووضع الميزان ألاّ تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} (الرحمن 7-9). لذلك فلا شك ان أي ممارسة لسلطة مهما كانت سواء كانت أسرية أو اجتماعية أو مهنية أو سياسية يجب ان تكون في محاذاة العدل والا ستنتهي لا محال الى حتوفها بسرعة.وعلى هذا الأساس قال الله تعالى آمرا عباده {انّ اللّه يأمركم ان تؤدّوا الأمانات الى أهلها واذا حكمتم بين النّاس ان تحكموا بالعدل} (النساء 58) ، كما قال عز وجل أيضا: {واذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} (الأنعام 152﴾. ولكن ما يجيش في الصدور التي يختلج بها ذكر تلك الآيات هو ماهية العدل ودلائله وشروطه وتجلياته، خاصة في ظل ممارسة الإنسان القاصرة الناقصة والتي تجعل من تطبيقه وفهمه أمرا نسبيا.وعلى هذا الأساس فان نهج العدالة مقرون بشرط مرتبط به لا ينفك عنه وهو التقوى وذلك مشهود بوضوح فيما نطقت به الآية رقم 8 من سورة المائدة {ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتّقوى واتّقوا اللّه ان اللّه خبير بما تعملون}. ومن هنا نستطيع فهم الآية الكريمة التي تفاضل بين الناس في الحكم الالهي حيث قال الله {ان أكرمكم عند الله اتقاكم} أي الذي يقترب في أحكامه للعدالة بناء على ما أتت به الشرائع السماوية والتي لا يمكن ان تتعارض على ما فطر الله الإنسان عليه في أحسن تقويم.ومن هنا ينعقد الحكم الالهي على البشر بالكرامة لديه من خلال تطبيق الإنسان للعدالة ما استطاع الى ذلك سبيلا وبشكل مجرد من أهواء النفس وضغوطات القربى والمجتمع.ومن تلقاء ذلك نستطيع أيضا فهم جنوح الإمام علي أبن أبي طالب عليه السلام حين أكد تلك الحقيقة قائلا: ان العدالة اعطاء كل ذي حق حقه، وقوله عليه السلام أيضا: «الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه» وهو بذلك استحق لقب امام المتقين. ولقد وردت آيات التقوى كثيرا في القرآن الكريم ما يناهز الـ 270 مرة ما يدل على فضل تأكيد هذا المفهوم في سلوك الإنسان المستقيم الباحث عن العدالة.اذاً العدالة معقودة بالتقوى، واذا ما أقرنا في قالب سلوك بشري فلاشك من انه سيصنع تاريخ الخير الذي نفهمه على أنه حدث فيه استقرار وسلام وأمان وتطور وتنمية.أما اذا انتزعت العدالة وأصبحت «علق» على ألسن المسؤولين وغيرهم فهي دالة البعد عن التقوى والسير في اتجاه الهلاك والتراجع والتخلف.
أنا أعرف جيدا أن الكثير من القراء سيقولون إن ما ذهبت له لا ينسجم مع سياق مقال صحافي أكثر منه درسا دينيا أو رأيا في اطار فلسفة العدل، وقد يكون ذلك صحيحا منذ الوهلة الأولى ولكن ما وددت ان استعرضه كموضوع لمقال صحافي هو سؤال مستهل مما سبق: هل يمكن ان تكون لدينا تنمية من غير ضمان أسس العدالة؟ بالطبع لا وهو واضح ببيان منطوق المادتين السابعة والثامنة من الدستور حيث ربطتا العدالة بدعامات المجتمع التي تضمن الأمن والطمأنينة له، وبعد ذلك يمكننا ان ننتقل لسؤال آخر، وهو لماذا هناك شعور لدى الكثير من الناس بأن العدالة والمساواة قد تدنتا ان لم تنعدما في مجتمعنا؟ وهل ذلك الشعور يعكس واقعا صحيحا أم انه مجرد شعور فقط؟ يمكننا التحقق من كافة تلك الأسئلة وغيرها عندما نسأل أنفسنا ونحن مختلون بها هل نحن عادلون مع أنفسنا ومع غيرنا، أم ان القول شيء والفعل شيء آخر؟

مع
نعم العدالة موجودة ولكننا قد نحتاج الى حكمة التطبيق بالكلمة الطيبة كما قال الله تعالى: {انّ اللّه يأمر بالعدل والاحسان} (النحل 90﴾.

ضد
على الرغم من تغنينا بها يوميا فالشاهد ان الكثير من معاملاتنا اليومية تنقصها العدالة وعلينا مراجعة ما نعمل ونقول فالله يقول: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} (القيامة 14-15).


د.عبدالله يوسف سهر
sahar@alwatan.com.kw
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

296.8778
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top