مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

إمام المتقين ومنار الدين الإمام الباقر (ع)

السيد ابوالقاسم الديباجي
2014/10/05   10:10 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



نعيش هذه الايام ذكرى وفاة الامام الباقر(ع) الامام الخامس من أئمّة أهل البيت(ع) وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).
عاش الامام الباقر(ع) مع جده الامام الحسين(ع) حوالي ثلاث سنوات ونيف وشهد في نهايتها فاجعة كربلاءحيث كان الى جانب والده في الكوفة والشام وهو يرى ويسمع ويحس بما يجري على والده(ع) وجدّه سيد الشهداء(ع) وأهل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم من الآلام والمصائب، فتربى منذ نعومة أظافره في مدرسة عاشوراء المجيدة.ثم قضى مع أبيه السجاد(ع) ثماني وثلاثين سنة يرتع في حقل أبيه الذي زرعه بالقيم العليا وأنبت فيه ثمار أسلوبه المتفرّد في حمل الرسالة المعطاء في نهجها وتربيتها المثلى للبشرية.
وكان الامام ابو جعفر الباقر (ع) من أئمة المتقين في الاسلام، فقد عرف الله معرفة استوعبت دخائل نفسه، فأقبل على ربه بقلب منيب، وأخلص في طاعته كأعظم ما يكون الاخلاص.فكان ولده الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) يقول: «كان أبي كثير الذكر لقد كنت أمشي معه وأنه ليذكر الله (عز وجل) وآكل معه الطعام وانّه ليذكر الله ولقد كان يحدّث القوم وما يشغله عن ذكر الله.. وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول: لا اله الا الله.وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتّى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ أمره بالذكر».
ان هذه الرواية تعكس مدى تعلّق الامام(ع) بربّه، وتعبّر في نفس الوقت عن نفس تدكدكت في عشق بارئها عزّ وجلّ، وطلب القرب منه سبحانه، واستجلاب لطفه العميم، والتوجّه اليه بكلّ كيانه، أي بروحه وقلبه وجوارحه، ممّا لا يكون الّا عند أولياء الله سبحانه.
وكان الامام أبو جعفر (ع) اذا حجّ البيت الحرام انقطع الى الله وأناب اليه وظهرت عليه آثار الخشوع والطاعة، وقد قال مولاه أفلح: حججت مع أبي جعفر محمد الباقر فلما دخل الى المسجد رفع صوته بالبكاء فقلت له: «بأبي أنت وأمي ان الناس ينتظرونك فلو خفضت صوتك قليلاً».
فلم يعتن الامام وراح يقول له: «ويحك يا أفلح اني أرفع صوتي بالبكاء لعلّ الله ينظر الي برحمة فأفوز بها غداً».ثم انه طاف بالبيت، وجاء حتى ركع خلف المقام، فلما فرغ واذا بموضع سجوده قد ابتلّ من دموع عينيه.
وحج (ع) مرة وقد احتفّ به الحجيج، وازدحموا عليه وهم يستفتونه عن مناسكهم ويسألونه عن أمور دينهم، والامام يجيبهم.وبهر الناس من سعة علومه حتّى أخذ بعضهم يسأل بعضاً عنه فانبرى اليهم واحد من أصحابه فعرّفه قائلاً: «ألا ان هذا باقر علم الرسل، وهذا مبيّن السبل، وهذا خير من رسخ في أصلاب أصحاب السفينة، هذا ابن فاطمة الغرّاء العذراء الزهراء، هذا بقية الله في أرضه، هذا ناموس الدهر، هذا ابن محمّد وخديجة وعلي وفاطمة، هذا منار الدين القائمة».
وقد كثّف الامام (ع) دعوته الى اصلاح مكارم الأخلاق لتكون هي العلامة الفارقة لتعامل المسلمين فيما بينهم، فكان (ع) يدعو الى افشاء السلام وهو مظهر من مظاهر روح الاخاء والودّ والمحبة والصفاء في العلاقات الاجتماعية حتى قال(ع): «ان الله يحب افشاء السلام».
ودعا الى العفّة واعتبرها أفضل العبادة، فقال:«أفضل العبادة عفّة البطن والفرج».
ودعا الى تطهير اللسان وتقييده بقيود شرعية، لادامة العلاقات بين الناس، فقال (ع): «قولوا للناس أحسن ما تحبّون ان يقال لكم، فانّ الله يبغض اللعان السبّاب الطّعّان على المؤمنين، الفاحش المتفحّش، السائل الملحف، ويحبّ الحيي الحليم العفيف المتعفّف».
ووضّح كيفية التعامل مع مختلف طبقات المجتمع فقال: «صانع المنافق بلسانك، وأخلص مودتك للمؤمن، وان جالسك يهودي فأحسن مجالسته».
وبيّن أُسس التعامل مع مختلف الأصناف من الناس فقال: «أربع من كنّ فيه بنى الله له بيتاً في الجنّة، من آوى اليتيم، ورحم الضعيف، وأشفق على والديه، ورفق بمملوكه».
ودعا (ع) الى الارتباط بأهل التقوى وتعميق أواصر العلاقات معهم لما اختصوا به من خصائص تؤثر على المصاحبين لهم تأثيراً ايجابياً لتجسيد المثل والقيم الاسلامية في الواقع، قال (ع): «ان أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، ان نسيت ذكروك، وان ذكرت أعانوك، قوّالين بحق الله، قوّامين بأمر الله».
ووضّح (ع) بعض حقوق المؤمن على المؤمن فقال: «انّ المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسيء به الظن»، وحذّر من ظلم الآخرين أو الاعانة على ظلمهم فقال: «من أعان على مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله».
وقد كانت وفاته (ع) يوم الاثنين السابع من ذي الحجة سنة 114هـ في المدينة المشرفة، حيث عانقت روحه الطاهرة أرواح أجداده وأبيه عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام في الجنة التي وعدهم بها الله جل جلاله، وله من العمر 58 سنة وقد انطوت بموته أروع صفحة من صفحات الرسالة الاسلامية التي أمدت العالم الاسلامي بأبهى آيات الوعي وأرقى درجات التطور وأنقى حالات الازدهار.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

343.7504
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top