مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

على رسلك

صور من عفو وصفح الملوك والأمراء

د. فهد عامر العازب
2014/06/07   09:46 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image

يجب على الإنسان أن يدرب نفسه على العفو بحيث يصبح جزءا من شخصيته


تعتبر لفظة العفو من الناحية اللغوية من الاضداد، حيث تطلق على ترك الشيء، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما اخرجه ابو داود في سننه: «إني قد عَفَوت لكم عن صدقة الخيل» أي سامحتكم عنها، ومن معانيها ايضا: الطلب ولكن معنى الترك هو السائد.
وهناك تقارب بين العفو والصفح، الا ان الصفح اعمق وابعد اثرا من العفو، فالعفو معناه: ان الانسان سامحه عن الشيء، ولكن في الصفح كأنه فتح صفحة جديدة، او كأنه صافحه، وعلى هذا فإن الصفح فيه معنى العفو وفيه معنى زوال اثر الذنب الذي ربما يكون احيانا تغيرا في القلب على هذا الانسان.
فان كثيرا من الناس وللاسف يعتقد انه اذا عفا فان هذا من علامة ضعفه وخوره، وهذا خلاف الحقيقة، فإن من ثمرة العفو كسب العزة كما اشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي اخرجه مسلم في صحيح «وما زاد الله عبدا بعفو الا عزا»، مشيرا الى ان النفوس الكبيرة هي التي تتحمل العفو، وكما روي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه: (اقدر الناس على العفو اقدرهم على العقوبة)، فالعفو هو القدرة على الانتصار على النفس، فلذلك يجب على الانسان ان يدرب نفسه على العفو بحيث يصبح جزءا من شخصيته.
وفي الجانب الآخر لا يعني هذا الكلام ان نترك ونلغي الانظمة ونعتبر ان العلاقات والقرابة والصداقة مدعاة الى ألا تكون هناك محاسبة ومطالبة، لأن هذا في الحقيقة لا يسمى عفوا، وانما يسمى فوضى.
إذاً فالعفو انما يكون من القادر على العقوبة سواء كان ملكا او اميرا او ابا او معلما، فالعفو مرتبط بالقدرة على العقوبة.
اقول هذه المقدمة وانا في الحقيقة ارى في تاريخينا القديم والمعاصر صورا ونماذج من العفو والصفح، خاصة من سادات القوم من الملوك والامراء لرعيتهم مما يدل على ان هذه الصفة مجبولة في نفوس كثير من الناس ويدل ايضا على بقاء الملك بالنسبة للحاكم، كما قيل (عفو الملوك، بقاء الملك)، فمن هذه النماذج:
اولا: ما اخرجه البخاري في صحيحه عن انس رضي الله عنه، قال كنت امشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه اعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت به حاشية الرداء، ثم قال: (يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت اليه فضحك ثم امر له بعطاء).
ثانيا: من نماذج الصفح والعفو ما اخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس، قال قَدِم عيينة بن حصين، فنزل على ابن اخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدينهم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – اذ كان القراء اصحاب مجلس امير المؤمنين، ومشاورته كهولا كانوا او شبانا، فقال عيينة: استأذن لي على امير المؤمنين، فاستأذن له، فلما دخل، قال: (هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل (اي الكثير) وتحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ ان يوقع به، فقال الحرّ بن قيس، يا امير المؤمنين ان الله يقول لنبيه {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وان هذا من الجاهلين، فالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه..).
ثالثا: من نماذج العفو والصفح: ان عمر بن عبدالعزيز – الخليفة الخامس – صلى يوم الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب، فلما انتهى من الصلاة، قال له رجل: يا أمير المؤمنين: ان الله اعطاك فلو لبست، فنكس عمر رأسه مليا حتى عرفنا ان ذلك قد أساءه، فقال عمر (افضل القصد عند الجدة، وافضل العفو عند المقدرة) حلية الاولياء للاصبهاني 261/5.
رابعا: ومن النماذج والصور ما ذكره الذهبي في سير اعلام النبلاء 305/4: ان عامر بن شراحيل (الشعبي) كان ممن خرج على الحجاج في فتنة عبدالرحمن بن الاشعث، ففي نهاية الامر ظهر الحجاج وغلب ابن الاشعث ودخل عامر بن شراحيل على الحجاج نادما فقال الحجاج: (لا مرحبا ولا اهلا، جئتني ولست في الشرف ولا عريفا، ففعلت وفعلت – اي جعلتك عريفا وشريفا على قومك – ثم خرجت عليّ، وعامر بن شراحيل ساكت، فقال الحجاج: تكلم، فقال: اصلح الله الامير، كل ما قلته حق، ولكنا قد اكتحلنا بعدك السهر وتحلسنا الخوف – اي لم يفارقهم الخوف – ولم نكن مع ذلك بررة اتقياء، ولا فجرة اقوياء، فهذا أدان حقنت لي دمي، واستقبلت بي التوبة، قال – اي الحجاج – قد فعلت ذلك) اي صفح عنه.
خامسا: ومن النماذج في تاريخنا المعاصر ما نقل خير الدين الزركلي في كتابه شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز (1055/3) (ان رئيسا من شيوخ القبائل وفد على الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يظهر طاعته فاستضافه الملك وبينما الرجل لايزال في ضيافته وصل الى الملك عبدالعزيز كتاب بخط الرجل نفسه ارسله الى احد خصوم الملك، يذم فيه الملك عبدالعزيز ويغري به خصمه، فاستدعاه اليه فجاءه، فسأله: ألك شيء طلبته ولم يُقض؟
فأجاب ذلك الرجل: اطال الله بقاءك، حصلت على كل ما طلبته، فقال الملك: وما حملك على كتابة هذا، وألقى اليه الكتاب فبهت الرجل، وقال يا عبدالعزيز!! ما اقول لك الا ان هذا من عمل الشيطان، واني اتوب إلى الله واستغفره، وظهر عليه الاضطراب فقال له الملك: لا تخف!!
قم الى مكتب الديوان واكتب حاجتك غير التي كتبتها من قبل ولا تعد بعد هذه الى مثلها، فالنفاق يرزي صاحبه.
فهذه صور ونماذج مشرقة من عمق تاريخنا الاسلامي حتى وقتنا المعاصر تبين لنا ان صفتي العفو والصفح من صفات اهل الخير والشيم والمروءة، ومن آثار هاتين الصفتين ايضا انهما تورثان المحبة بين الحاكم والمحكوم وتورثان بقاء الحكم، فان عفو الملوك بقاء الملك.

د. فهد عامر العازب
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

296.8757
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top