مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

أنا مع وضد

}ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون {

د. عبدالله يوسف سهر
2013/12/21   09:05 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



أنا
بلغ جذر كلمة ظلم في القرآن الكريم حوالي 315 مرة منها أكثر من 100 مرة مفردة الظالمين أو الظالمون والظالم والظالمة، ولا شك في أن تكرار مفهوم الظلم وتقبيحه الى هذا الحد لهو بمنزلة التأكيد على مدى خطورة الانزلاق في الظلم وأهواء الظالمين. ومما يستوقف القارئ للقرآن الكريم ما ورد في سورة ابراهيم حيث قال عز وجل {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ انَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ الَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء، وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا الَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ، وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ، وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَان كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ان اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام} الآيات (42- 47). كما ان عظمة إثم الظلم تتأكد حينما يعتبر نقيضا لمفهوم العدالة التي بها تستقيم الأحوال في الدنيا وتقتسم بها السبل بين الجنة والنار يوم الفصل والحساب. عبر هذه المفاهيم ومشتقاتها طفت على أروع الحكم والقصص التاريخية والمفاهيم السياسية والاجتماعية وأجمل المفاهيم الفلسفية التي تجعل من الإنسان ملتصقا بها حيث تعتبر قيم العدالة ومكافحة الظلم وقول الحق والحكم بالقسط من أعظم القيم التي تتجلى بها إنسانية الإنسان والتي ان تخلى عنها فانه ينحدر الى أسفل السافلين مصداقا لوعد الله بأن الظالم هالك ومن تعاون معه أو رضي بعمله قد يكون أخسر منه حيث يطلق عليه بالظالم لنفسه وهو مفهوم اختص به الإسلام عن غيره. فلا مبالغة بالقول بأن كل المعاني الالهية والقيم الإنسانية قد التفت حول مفهومي العدل والظلم ليشكلا مفترق طرق للصلاح والفساد. فيكفي العلم بأن الله قد أقرن مفهوم التقوى بالعدالة، وبالتالي فمن ليس له تقوى لا يمكن ان صالحا ومن لا يحكم بالعدل لا يمكن ان يكون تقيا، كما قال الله {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون} (المائدة 8) لذا فمن سقطت عدالته سقطت تقواه ولا يمكن حتى قبول الصلاة خلفه أو أخذ شهادته. ولعل أعظم عظماء البشرية الذين خلدتهم الإنسانية عبر تاريخها الطويل والأمم خلال سجلها المديد هم الذين ناصبوا العداء للظلم والظالمين، ولا شك ف يأن أردى الخلق من حكام ومحكومين هم من تآلفوا مع الظلم والظالمين. وقد حذر أبوالمظلومين الامام الحسين عليه السلام من مغبة الظلم حيث نصح ابنه «أي بني، اياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا الا الله عز وجل» وينبري قول الإمام الحسين بذلك لكون من يجعل خصومته من الله عبر ظلم الناس سيحتم انتصار المظلوم ولو بعد حين. وقد يتذرع البعض بتلاوين أنصاف الحقائق ومتشابه الكلام عندما يود ان يبعد نفسه عن الخوض في ظلم هذا أو عدل ذاك خشية العواقب على الذات أو المصالح لكن الحق لا يمكن ان يكون خافيا لمن له بصيرة فكيف لمن يكون كذلك لمن له بصر، كما يقول الفيلسوف أفلاطون عن ذلك بعبارته الشهيرة «انه لا يعرف معنى للعدالة ولكنه يعرف غياب العدالة». البعض من الناس وخاصة ممن انخرطوا في خضم السياسة وفتونها توهموا بأن الله غافلا عما يفعلونه من ظلم ومداهنة للظالمين، ولم يكتفوا بذلك لكنهم رفعوا شعارات العدالة والتصدي للمظالم حيث حاولوا خلط أنفسهم برواية العظماء كالحسين عليه السلام متناسين ان الله ليس غافلا عما يعملونه ظاهرا وخفاء ومتناسين قوله {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} (القيامة 14-15). ان عظمة الإنسان تتجلى بقدرته على اتخاذ الموقف الحق حتى لو كان منفردا وقل حوله العدد أو شح عنه الناصر، فكم من الناس من استطاع ان يكون أمة في موقفه مثلما كان سيدنا ابراهيم عليه السلام حينما تصدى لعبيد الأصنام وحيدا فأسقطها واحدا تلو الآخر. ولعل البعض من المتجاهلين أو المتناسين يعرفون أن الإنسان قد يكون جرما صغيرا في حجمه وتياره ونفوذه ونقوده لكنه حتما، عندما يتمسك بيعسوب الحق، سينطوي به العالم الأعظم. ولأجل تلك الصورة يضرب أحد الحكماء مثلا جميلا حينما قال: «هل شاهدت حجّاراً وهو يكسر الأحجار؟ انه يظل يضرب الصخرة بفأسه أو معوله ربما مائة مرة، دون ان يبدو فيها أدنى أثر يُبشر بكسر أو فلق، وليست الضربة الأخيرة حققت النتيجة! بل المائة ضربة التي سبقتها. وما أكثر الذين يرجعون من منتصف الطريق، بل ما أكثر الذين ييأسون من كفاحهم قبل ان يجنوا ثمرته ربما بزمن وجيز، ولو استمروا وثابروا حتى الضربة الواحدة بعد المائة لحصدوا كل ما زرعوا وأكثر». ومن هنا نقطع عهد حر ووعد بر لهؤلاء الذين بسطوا أيديهم بالظلم وممن أعانوهم ورضوا بفعلهم فكانوا ظالمين لأنفسهم بأن من تحسبونهم إجراما صغيرا سيستمرون في مسيرتهم في كشف الحقائق ومضاربة مضاجع الظلم وخراطيم الظالمين. ونذكرهم ان كانت التذكرة تنفعهم بما قاله ويلسون مزنر «كن لطيفا مع الناس في طريقك للصعود لأنك ستقابلهم مجددا في طريقك للهبوط» ونزيد على ذلك بأن حينها سيكون هبوطهم للهاوية.

مع
من خطاب سيدتنا زينب بنت علي عليهما السلام أمام يزيد بن معاوية بعد استشهاد اخيها الامام الحسين عليه السلام ان قالت «وما ربك بظلام للعبيد فإلى الله المشتكى وعليه المعول فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا ترحض عنك عارها وهل رأيك الا فند وأيامك الا عدد وجمعك الا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين». وستكون أيامكم عدد أيها الظالمون، فالظلم كالظلام لابد أن يعقبه نور.

د.عبدالله يوسف سهر
sahar@alwatan.com.kw
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

2906.2491
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top