مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

مباهج القمة.. وتسفيه المجلس

عبدالله بشارة
2013/12/15   09:32 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image



أول ما يجب ان يقال عن القمة الخليجية التي انتهت الأسبوع الماضي واستضافتها الكويت، أنها نجاح مبهج صاغه سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الذي حشد كل تجاربه واستحضر أدوات التصميم وقرر العزم على ان تنجح القمة وبدرجة مبهرة، وهو الأمر الذي تحقق بالفضل العائد الى الرئاسة وقيادتها واحرازها الفوز في حماية المجلس من تصويبات التسفيه التي حملتها صحافة الخليج حول المجلس، تشكك في إنجازاته وتطعن في مسيرته وتنشر الأقوال عن التصدر والتشرذم والإخفاقات، عبر حملة انفجرت من شحن يبدو أنه مختزن في الأعماق.
نحيي سمو الأمير على الصبر الذي رافقه في التحضير للقمة في جهد غير عادي وفي تصنيف دبلوماسي غير عادي تجلى في قمة الرياض الثلاثية التي ضمت قيادات المملكة العربية السعودية والكويت وقطر في نهاية الشهر الماضي، في عملية ليست سهلة لتجاوز التباينات في المواقف وتقريبها واغلاق الممرات التي قد تسبب الاضطرابات في أجواء المسيرة.
ورغم المتاعب الصحية، فاز الأمير، الذي اتسم أداؤه بالانضباط والحزم، في تحقيق المناخ الصافي الذي يؤمن للمسيرة، ليس الأمان والسلامة فقط، وانما التقدم والمزيد من العطاء.
ولا يمكن ان أتجاهل دور قيادات الخليج الأخرى في ممارسة النأي عن الانزلاقات التي تجلب الأضرار والحرص على متانة ضلوع المجلس.
وتاريخ مجلس التعاون مملوء بأزمات فجرتها العبثية الطفولية في قيادات المنطقة، فلا ننسى ان ولادة المجلس جاءت في وقت الحرب والشدة بين ايران والعراق، وكان عزم القادة الابتعاد عنها وتطويقها تمهيدا لوضع حد لها وشاهدت شخصيا قدرة القيادات الخليجية على التعامل مع الأزمات وتفريغها وافشالها في التأثير على دول المجلس، والسبب ان بيوت الحكم في الخليج تنهل من تجارب حكمة تاريخية وملاحم صبر ومن فسح واسعة لترويض الأزمات، وكنت شخصيا أرى هذه الصفة اللصيقة بالقيادات ميزة نادرة لتجاوز المخاطر.
جميع الدول الأعضاء تستفيد من مسيرة المجلس، لا يمكن تجاهل هذه الحصيلة وسط أجواء اعلامية تستخف بصمود المجلس في وجه أعاصير توجهها قوى لم تكن مرتاحة لنهوض المجلس، وكان صدام حسين أكبر خصم، وأشرس المناوئين، ولم يتجمل مع مبعوثي المجلس ولم يتردد بتقديم أطروحات لاذعة ومؤذية ضد الدول الأعضاء ولاسيما خلال الحرب العراقية – الأيرانية.
تبنى المجلس تقليدا في ارسال مبعوث، عادة وزير خارجية الدولة المضيفة الى بغداد، بعد كل قمة، ليشرح للرئيس العراقي حجم الدعم الذي يقدمه المجلس في مؤازرة العراق في مقاومة ايران، وكانت تلك المهمة من أعقد المسؤوليات التي يحملها الوزير المسؤول الى اللقاءات مع صدام حسين.
كنت أقرأ محاضر تلك اللقاءات بفزع من نارية التهديدات لاسيما الى دولة الامارات وعلى الأخص دبي الذي يقول عنها الرئيس العراقي بأنها مخازن التحويلات والتمويلات لصالح ايران، وكان واضحا في تهديداته التي وعد بتنفيذها بعد نهاية حربه مع ايران، وكان نهما في طلباته ومؤذيا في كلماته، وخطرا في تهديداته.
وفشل في تحقيق مشروع التدمير الذي أراده ضد الخليج لأن الحرب أنهكته وأضعفت امكانياته وحطمت قامته، ومع ذلك حقق شيئا من المشروع التدميري في غزوه لدولة الكويت، التي تحررت من أراضي الخليج ومن سمائه ومن بحوره ومن خزائنه وعاش شعبها في ضيافة خليجية حتى التحرير.
وهنا تبرز حقائق المجلس في صالح الكويت التي يمتد عمقها الجغرافي جنوبا الى بحر العرب، علما بأن الجوار الشرقي والشمالي في حالة من السيولة والفوضى.
ومن تجربتي في تمثيل الكويت في القمة الخاصة بالانتقال من التعاون الى الاتحاد، أجزم بأن المجلس سيتطور في مسيرته وفي بنيته الدستورية، واذا كنا الآن نتجادل عن المظهر الخارجي بين التعاون أو الاتحاد فان الواقع سيفرض حالة من المزيد من التعاون والترابط، والعبر ليست بالمظهرية وانما بجوهرية العمل.
نحن على معرفة بمواقف الدول الأعضاء، وقد تم تسجيل هذه المواقف في وثائق القمة ومعروضة في العلن، ونحن على علم بأن سلطنة عمان تريد الالتزام بصيغة التعاون التي ترى بأنها صيغة لا زالت فاعلة، مع ضرورة تنفيذ القرارات التي يتم اقرارها، ونعرف بأن هناك رغبة في التعرف على كافة الجوانب وصولا الى الصيغة والتركيبة النهائية للمرحلة القادمة، ولم نخرج من اجتماعات اللجنة الخاصة بمشاغبات وتسخيفات وانما احترمنا الآراء التي تسجل سياسات الدول الأعضاء، ونكرر دائما بأن قوة المجلس هي في مرونته وأن متانته في قاعدة التوافق التي تأتي عن قناعات وايمان بالمنافع القادمة، ومن أهم أسرار بناء المجلس وتعاظم حيويته هو القناعة الجماعية بأنه يعمل لخير الجميع وبمشاركة الجميع وبرضى الجميع.
وعلينا أيضا الاعتراف بأن مجلس التعاون صيغة تعاقدية تربط الجميع، فيها مسؤوليات وعليها التزامات وهي عمل مشترك ومشروع جماعي لابد ان يلعب دورا في المشاركة في قرارات الدول الأعضاء التي تتعلق بالتنسيق وتوحيد المواقف وسد التباينات والوصول الى نقطة الالتقاء، فلا يمكن الحصول على هذا الموقف الجماعي دون تنازلات ودون التأقلم مع متطلبات المسؤولية الجماعية، وهنا ينحسر الكلام عن السيادة الجامحة التي لا تقبل اطلالات العمل الجماعي، ولا تستذوق المباهاة في السيادة الحادة التي لا وجود لها في عصر التكتلات وعصر العولمة وزمن المراقبات الدولية عبر المنظمات التي تراقب وتتحدث وتحاسب كما نقرأ عن الاساءات لحقوق الانسان والنفور من الاستبدادات.
وأعتقد شخصيا ان أكبر إنجاز قمة الكويت هي ان كيان مجلس التعاون صلب لا يجرحه النقد وربما يتعافى في الأزمات وربما يتغذى عليها، وكما قال سمو الأمير بأن المجلس خرج صلبا، وبذلك خيب آمال الشامتين.
وفي هذه الظروف الحساسة تزداد الضرورة لدعم المجلس لا للتشنيع عليه، لاسيما من أجهزة الاعلام الخليجية، المدركة لأبعاد المخاطر المحيطة، ابتداء من ايران ومشاكلها، وسورية وثورتها، والعراق واهتزازاته، واليمن وارهابياته، ومصر واحتجاجاتها، وتبقى سلامة المجلس ونزاهة مواقفه ونظافة تربته هي الأمل ليس لأهل الخليج وانما لجميع دول المنطقة بما في ذلك المؤسسات الاقليمية مثل الجامعة العربية، وغيرها من صناديق الدعم وقرارات المؤازرة والانقاذ.
سيظل سمو الأمير رئيسا لهذه الدورة حتى لقاء قطر، يتحمل الاشراف على المسيرة، ويعمل على تأمين طريقها وابعادها عن المعوقات.
ولا نذيع الأسرار في قول بأن مداخلة سمو الأمير في بداية الجلسات في التركيز على الإنجازات التي يراها أفضل الوسائل لتجاوز الخلافات، كان العنصر الأقوى في الخروج بهذه النتائج غير المسبوقة لاسيما في المجال الدفاعي والأمني.
وقد ظهرت أيضا المرونة الجماعية لبند صياغة الفقرة الخاصة بموضوع الانتقال الى الاتحاد، حيث تم الاتفاق على الاعتماد على صيغة القمة في البحرين، بما يعني استمرار البحث والتنقيب والمداولات لتدوين صيغة مستقبلية مناسبة.
ومن أهم الخطوات، تلك التي دشنها السيد مرزوق الغانم، كرئيس للبرلمانات والمجالس الخليجية، في الحديث أمام القيادة الخليجية في خطاب على مستوى عال من التمنيات والآمال، ولا شك بأن الخطوات قادمة ستفعل دور الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى في القيام بمسؤوليات أكبر وفي الحديث المباشر أيضا أمام القمة.
تبقى ملاحظات عديدة جديرة بالثناء لكل من ساهم في التنظيم والترتيبات لاسيما رجال الديوان وأمراء البروتوكول في الخارجية، فالكل يثني والكل يشكر..
سترتفع قامة المجلس الى الأفق الواسع خلال هذه الفترة، ويظل المجلس الأمل ليس لأهل الخليج وانما للآخرين من العرب وغيرهم.
٭٭٭
فقدت شخصيا صديقين فارقا هذه الدنيا، استجابا لنداء الخالق العظيم، وكلما فقدت الاعزاء تصاعد الشعور بهامشية الحياة..
أولهما الأخ الصديق محمد أحمد الرشيد، وزير التربية السابق في المملكة العربية السعودية والعضو النشط في الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الذي كان يتميز بالحيوية والمبادرة، وكنا نرتب لمجيئه الى الكويت لينضم لنا في قمة الكويت، لكن القدر المحتوم لم يمهله، فجاءت الأخبار الحزينة..
وانتقل الى رحمة الله الصديق الشيخ نايف جابر الأحمد الصباح، الذي كان دائم التحرك والتفاؤل والبحث عما يفيد، كنا نجلس بجوار بعض في مآدب دسمان في رمضان، فيحكي لنا عن ولعه في البوسنة التي يتردد عليها، وينصحنا بالسفر للتمتع بالطبيعة الخلابة.
المرحوم الشيخ نايف معروف بحب الرياضة ومحبوبا في ميدانها، ومتميزا في عشقها ومتابعتها.
وفاته خسارة لعائلته ولأهله الذين أحبوه والذين تابعوه لاعبا وإداريا ومسؤولا..
رحمهما الله، وكل من عليها فان..


عبدالله بشارة
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

234.374
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top