مقالات  
 
 
  
  
 
  A A A A A


نافذتي

سد مأرب!

د.خالد القحص
2012/05/15   11:28 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image

لئن كانت الجرذان لا تعي ما تفعل فهذا ليس مبرراً لكي نسكت


سد مأرب (كما جاء في موقع ويكيبيديا) هو سد مائي قديم في اليمن، تم تشييده في القرن الثامن قبل الميلاد، كأحد أجمل الانشاءات المعمارية، حيث يعتبره المؤرخون أقدم سد معروف في العالم، ويرون ان انهياره كان السبب الرئيسي لهجرة أغلب أهل اليمن الى الجزيرة العربية والعراق والشام.وتروي كتب التاريخ بأن انهيار سد مأرب كان بسبب الجرذان التي نقضته بأسنانها، حتى تسرب الماء من بين الفتحات، فانهار السد وأغرق البلاد والعباد.ولقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الحادثة التاريخية في سورة سبأ {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِم آيةٌ جَنَّتاَنِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْناَهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}. في حين يرى البعض ان انهيار سد مأرب يختلف عن سيل العرم، لأنهما حادثتان منفصلتان.
سد مأرب ضخم، متماسك، راسخ، ثابت، لكنه تصدع، وتشقق، وانهار، وحدث ما لم يكن يحتسبه أحد، لكنه حدث، لأن لا أحد يهتم بالتشققات الصغيرة، ولا أحد يقيم وزناً لمجموعة من الجرذان تقرض السد، رويداً رويداً، فالسد كبير وضخم، والجرذ مخلوق صغير تافه، لا يأبه له أحد، خاصة اذا كان الأمر يتعلق بالسدود.
وبغض النظر عن مدى صدق وثبات حقيقة ان الجرذان كانت السبب الرئيسي في تصدع السد وانهياره، لكن المعنى، في نظري، صحيح، وينسحب على الدول والمجتمعات، وعلى المشروعات وحتى على الأسرة الصغيرة.لكل بنيان راسخ، وثابت، جرذان تحاول النيل منه، وتسعى لهدمه، وتطمح لانهياره، وربما لا تستفيد الجرذان شيئاً من انهيار السدود، بل على العكس، قد يكون الضرر نصيبها، والشقاء حليفها، والتشتت قسمها وسهمها، لكن متى كان الهادم يعي ما يفعل؟ ومتى كان المخرب يدرك ما يقوم به حقيقة؟ لا شيء هنا سوى الوهم في عقله، والمنطق الأعوج والأهوج في ذهنه، وتصبح الأمور أكثر سوداوية وقتامة، حين تظن بعض الجرذان ان ما تقوم به هو الوطنية الحقة في أبهى صورها، وأحلى مظاهرها، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
لكن ان كانت الجرذان لا تعي ما تفعل، ولا تدرك ما تصنع، فهذا ليس مبرراً كافياً، أو عذراً شافياً لكي نسكت نحن العقلاء عما يحصل لسد الوطن من أظفار القوارض، وأسنان الجرذان.لا يمكننا ان نتعامى، أو نتغافل، أو نتسامى عما يحدث من تدمير ممنهج لوحدتنا الوطنية بحجة ان وحدتنا أقوى، وأبقى، وأنقى، فلا يضرها نعيق ناعق، أو سعي خاسر، أو أقوال مفلس.ان خفافيش الظلام وجرذان الليل، تنشط حين يغيب النور، وحين يختفي الضوء، لذا هم يحاربون الشمس، وينفخون على الشمعة، ويكسرون القنديل، وينزعون الفتيل.
البسطاء والسذج يقتطعون الحدث من سياقه الزمني والمكاني والظرفي، فيحكمون عليه، ويفسرونه، لذا يبدو لهم الأمر كحدث فردي، لا تأثير له، بل يستغربون حين يتم تضخيم الأمور كما تستحق، وحين يتم التعامل معها على حسب مستواها الحقيقي، بينما العقلاء، بالمقابل، ينظرون للأمر كله، أوله وآخره، مقدماته ونتائجه، ارهاصاته، وتداعياته، يجمعون القطع المتناثرة، المبعثرة، ليخرجوا بصورة متكاملة ذات معنى وقيمة، وعندها يندهشون من قوة الرسالة، ومن عظم التصدع الذي حصل بسبب الجرذان المتفرقة، ويشعرون بالأسى على وطن لم ينتبه بعد لتشقق السد الذي يحمي المدينة، ويحاولون ان يأخذوا الصورة المفزعة الى الآخرين، النائمون، يوقظونهم، ويهزونهم هزاً، يخبرونهم بما حصل ويحصل، فيتثاءب القوم، ويقلبون أبصارهم، ثم يقولون للعقلاء: تباً لكم، ألهذا أيقظتمونا، انه مجرد جرذ صغير، وتشقق أصغر، لن تراعوا، فلا تنشروا الفزع بين الناس.هكذا هو الحال بين العقلاء والجهلاء، الجهلاء ينتصرون في المواقف السريعة القريبة المنفردة، والعقلاء ينتصرون في المواقف البعيدة، والمكتملة، لكن المشكلة في انتصار العقلاء أنه يأتي بعد انهيار السد، وغرق المدينة، ولذا لا يمكن اعتباره انتصاراً بالمعنى الحقيقي للانتصار، لأنه ثبت في النهاية، صدق كلامهم، فهذا انتصار، لكنه لم يقنع البقية (أو من بيدهم القرار على الأقل) في البداية، فانهار السد، وهنا خسر الجميع، عقلاء وجهلاء، لذا تبقى صرخة نصر بن سيار شاهداً على انتصار العقلاء، ولكن بعد فوات الأوان (ليت شعري، أأيقاظ أمية أم نيام؟»، واحموا الناس من السيل..الجرذان قادمة!


د.خالد القحص
kalqahas@alwatan.com.kw
@drkhaledalqahs
أخبار ذات صلة

359.375
 
 
 

موقع جريدة الوطن – حقوق الطبع والنشر محفوظة