منوعات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الازمنة والأمكنة

المستطرف من كل فنٍّ مستظرف

2013/05/28   05:41 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
المستطرف من كل فنٍّ مستظرف



عنوان مقالنا هذا هو اسم لكتاب ألفه بهاء الدين محمد ابن أحمد الأبشيهي المتوفى في سنة 851 هـ (1447م)، وهو كتاب شامل لكثير من المعلومات الدينية والتاريخية، مليء بالأشعار والحكم، والمواقف المتنوعة، وقد نال هذا الكتاب إقبالاً كبيراً من القراء لما فيه من التنوع والإبهار، ولما يجده القارئ في موضوعاته المختلفة من فوائد.
طبع «المستطرف من كل فن مستظرف» في عدة طبعات، وممن طبعه ونشره أخيرا: دار الفكر العربي ببيروت في سنة 2004م وكانت طبعته هذه هي العاشرة لهذه الدار وحدها، وطبع في مطابع أخرى كثيرة في مصر، ولكننا سوف نعتمد في عرضنا للكتاب على هذه الطبعة دون غيرها، لأنها متيسرة بين ايدي الناس، وفي مختلف المكتبات التي تهتم بهذا النوع من الكتب.
اهتم القراء كثيراً بهذا الكتاب، وخصه الأدباء بالعناية والمتابعة فهؤلاء تهمهم معرفة هذا النوع من كتب الموسوعات، ومن أجل انتشاره الواسع، ومعرفة المختصين به؛ فقد ترجم الى اللغة التركية، وطبع بها في سنة 1846م، كما ترجم الى اللغة الفرنسية، وطبع في سنتي 1899م، و1902م.
وصاحب كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» وهو كما قلنا بهاء الدين محمد بن أحمد من مواليد سنة 1388م في قرية مصرية في محافظة الغربية. وقد حفظ القرآن هو في السنة العاشرة من عمره، ودرس الفقه والنحو، وكان يتردد على القاهرة لحضور مجالس بعض العلماء الذين استفاد من مجالسهم علما وفضلا. ثم صار خطيب مسجد قريته بعد أن توفي والده، وشغر مقام الخطابة، ودام عمله هذا إلى أن توفي في سنة 1447م.
وللأبشيهي كتاب بعنوان «صناعة الترسل» وهو غير كامل. وكتاب «أطواق الأزهار في الوعظ وهو في مجلدين، وتذكرة العارفين وتبصرة المستبصرين».
كان الأبشيهي مشتغلاً بالأدب معنياً بجمع كل جيد من الاقوال المتقدمة، يسعى إلى التشبه ببعض المؤلفات التي تضم كثيراً من الأخبار والاحداث والاشعار، وكان على الرغم من ذلك قليل العلم بعلوم اللغة ضعيف التحصيل في النحو مما اورد له اخطاء كثيرة في مؤلفاته ومما اشار اليه نقاده وعابوه من اجله. وكان كتاب: «المستطرف من كل فن مستظرف» هو اقل مؤلفاته أخطاء، لأن غالب ما فيه منقول عن نصوص مروية ومعروفة، ولأن بعض النصوص الشعرية من تلك الأنماط التي يكتب بها العامة مثل المواليا والزجل وغيرهما.
وقدم الأبشيهي كتابه بمقدمة توضح معالمه، وتبين للقارئ ما هو مقدم على قراءته، فبين المنهج الذي قصد اليه ثم سار عليه عند التأليف، وذكر أنه راعى ما ألفه بعض العلماء من قبله، فجاء كتابه كاملاً شاملاً، وهو يقول بهذه المناسبة: «أما بعد؛ فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم، جمعوا اشياء كثيرة من الآداب، والمواعظ، والحكم. وبسطوا مجلدات في التواريخ، والنوادر، والأخيار، والحكايات، واللطائف، ورقائق الأشعار، وألفوا في ذلك كتباً كثيرة. تفرد كل منها بفرائد وفوائد لم تكن في غيره من الكتب. فاستخرت الله تعالى وجمعت من مجموعها هذا المجموع اللطيف. وجعلته مشتملاً على كل فن ظريف. وسميته (المستظرف في كل فن مستظرف)، واستدللت فيه بآيات كثيرة من القرآن العظيم، واحاديث صحيحة، من أحاديث النبي الكريم. وطرزته بحكايات حسنة عن الصالحين الأخبار. ونقلت فيه كثيراً مما أودعه الزمخشري في كتابه (ربيع الأبرار)، وكثيرا مما نقله ابن عبد ربه في كتابه (العقد الفريد). ورجوت أن يجد مطالعه فيه كل ما يقصد ويريد. وجمعت فيه لطائف وظرائف عديدة من منتخبات الكتب النفيسة المفيدة، وأودعته من الأحاديث النبوية، والأمثال الشعرية، والألفاظ اللغوية، والحكايات الجدية، والنوادر الهزلية، ومن الغرائب والدقائق، والأشعار والرقائق، ما تشنف بذكره الأسماع وتقر برؤيته العيون، وينشرح بمطالعته كل قلب محزون».
٭٭٭
يتكون الكتاب من جزأين، وهما يضمان أربعة وثمانين بابا متنوعة بحسب أنواع الموضوعات التي جعلها المؤلف طي كتابه، ويتكون الجزء الأول من سبعة وأربعين بابا، ويكمل الجزء الثاني عدد أبواب الكتاب الى اربعة وثمانين بابا.
يبدأ الجزء الأول بالباب الأول الذي يتحدث فيه المؤلف عن مباني الاسلام، ومنها الاخلاص لله، والثناء عليه، والصلاة وفضائلها، والزكاة والصوم، وأجر الصائمين ثم الحج وفضله.
ويبدأ في الباب الثاني بالحديث عن العقل والذكاء ومدحهما، والحُمق وذمه، لينتقل في الباب الثالث إلى بيان فضل القرآن الكريم، وحُرمته. ثم نراه يمضي الأبواب الثلاثة التي تليه وهي الرابع والخامس والسادس في مسائل متنوعة أولهما في العلم والأدب، وفضل العالم والمتعلم، والثاني في الآداب والحِكَم، وما ينبغي على المرء أن يتحلَّى به منهما، وأخيراً يأتي الباب السادس وهو خاص بالأمثال السائرة.
والمثل فن من فنون القول المشهورة عند العرب جميعاً، وقد كان للعلماء اهتمام بجمع الأمثال، ولهم فيها مؤلفات عِدَّة.
وقد قسموها إلى أقسام منها: أمثال القرآن الكريم، وأمثال الحديث الشريف. فمن أمثال القرآن الكريم نذكر قوله تعالى «لن تنالوا لبر حتى تنفقوا مما تحبون» ومن أمثال الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «من غشَّنَا فليس منا»، وقوله: «سيد القوم خادمهم».
ومن أنواع الأمثال التي جاءت على ألسنة العرب، قولهم: «إن البلاء مُوَكلٌ بالمنطق» وقولهم: «إياك أعني فاسمعي يا جاره» وقولهم: «ليس الخبر كالعيان».
وهذا النوع من الأمثال كثير العدد، ولكل مثل من هذه الأمثال حكاية تروي سبب قوله.
ومن النوع الثالث من الأمثال ما نشأ بين الناس بعد أولئك العرب الذين ذكر المؤلف أمثلة لما تحدثوا به من أمثال، وهذا النوع الذي نشير إليه هنا هو ما نطق به العَامّضة ومن توالد في العرب من غيرهم فصاروا يتحدثون مثلهم، ومن ذلك قولهم: «الحاجة تفتق الحيلة» و«الغائب حجته معه».
ومن الملاحظ أن هذا النوع الأخير من الأمثال يزداد مع تقدم الأزمان، ومنه عدد من الأمثال المستعملة بيننا إلى يومنا هذا كالمثل الثاني من المثلين اللذين ذكرناهما، وقولهم: «حيثما سقط لقط»، ونحن ننطقٍ «كل ساقط له لاقط». وقولهم: «كاد المريب يقول خذوني».
ولم يكتف الأبشيهي بهذا القدر، فأورد مجموعة من الأبيات كل بيت منها هو مثل في حد ذاته. ومنها:
بالملح نصلح ما نخشى تغيره فكيف بالملح إن حلت به الغير
ومنها:
إذا جاء موسى وألقى العصا قد بطل السحر والساحر
ومنها أيضا
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
إلى غير ذلك. وهي أبيات كثيرة، لعدد كبير من الشعراء سارت على ألسنة الخلق مسير الأمثال، وانتقاها المؤلف لهذا الغرض، وهو للدلالة على نوع من الأنواع التي ذكرها.
وسوف يأتي في نهاية المقال حديث خصصناه لعرض الأمثال التي أوردها مما يشبه الأمثال الكويتية أما الآن فنواصل ما كنا فيه، ونعود إلى الباب السابع وفيه ذكر للبيان والبلاغة والفصاحة، وحديث عن الفصحاء من الرجال والنساء، وقد استطرد في جميع ذلك ومثل له شعرا ونثرا، وهذا مجال واسع لمن أراد أن يقتحمه فيه روايات كثيرة ومعلومات مهمة.
أما الباب الثامن فيتعلق بالأجوبة المسكتة والمستحسنة وما جرى مجرى ذلك، وقد مثل المؤلف لما جاء على مجرى هذا العنوان بأمثلة كثيرة، ثم انتقل إلى الباب التاسع وفيه ذكر للخطب والخطباء، والشعر والشعراء. وَعَرَّجَ بعد ذلك على سرقات الشعراء من بعضهم، وعلى الهفوات التي يقع بها بعض كبار القوم، ومثل لكل ذلك ببيان واضح.
وانتقل في الباب العاشر إلى موضوع مختلف خصصه لأمر التوكل على الله والرضا بما قسم، والقناعة، وذم الطمع، وكان هذا الباب في ثلاثة فصول.
أما الباب الحادي عشر والباب الثاني عشر فإنهما قد ذكرا المشورة والنصيحة، وفائدة النظر في العواقب، مضافا إليها الوصايا والمواعظ وما أشبه ذلك.
وفي الباب الثالث عشر حديث عن بعض سمات حسن الخلق في الصمت وصون اللسان عن الزلل، والنهي عن الغيبة وعن السعي بالنميمة وغير هذا.
وخصص المؤلف الباب الرابع عشر للتحدث عن الملك والسلطان، وعن طاعة ولاة أمور المسلمين، وما يجب للسلطان على الرعية، وما يجب لهم عليه، وقد أتم في الباب الخامس عشر ذلك الحديث فذكر فيه ما يجب على من صحب السلطان.
وعندما عرض الباب السادس عشر، ذكر فيه الوزراء وأحوالهم وما يتعلق بذلك. وهو بالطبع لا يقصد بذلك وزراء العصر الحالي لأنه مات قبل أن يدرك زمانهم، ولكنه يقصد وزراء زمانه الذي عاش فيه. أما الباب السابع عشر فتحدث فيه عن الحُجَّاب العاملين مع السلطان، وعن الولاة وخطرهم، وأهمية عملهم، وأثره في سير أعمال الدولة.
واتجه المؤلف بعد ذلك اتجاها آخر عندما جاء في كتابه إلى الباب الثامن عشر، فقد تحدث عن القضاء وعن القضاة، وذكر مغبَّة قبول الرشوة والهدية على الاحكام، وتحدث عن الديون وما يتعلق بها.
وفي الفصل الثالث من هذا الباب ذِكرٌ للذين يتولون حكاية القصص والمتصوفة، ثم حديث لما جاء في الرياء وقد وضح لنا أن هذا الفصل غريب عما كان في الفصلين السابقين.
وضمّ الباب التاسع عشر بيانا عن العدل والإحسان والإنصاف. كما ضم الباب العشرون التحذيرمن الظلم وشؤمه.
وعندما عرض الأبشيهي الباب الحادي والعشرين أورد ذكر الشروط التي ينبغي أن تؤخذ على العمال وهم (بحسب ما كان معروفا في السابق) الذين يعملون للسلطان، ويساعدونه في أعماله وأحكامه، وقد أضاف إلى ذلك أمرين هما:
جباية الخراح، وأحكام معاملة أهل الذمة.
وبعد ذلك جاءت في الكتاب نقلة أخرى إلى موضوع مختلف عما سبق. ففي الباب الثاني والعشرين يتحدث المؤلف عن اصطناع المعروف، وعن إغاثة الملهوف، وقضاء حوائج الناس، وإنقاذهم من المشكلات التي يتعرضون لها في حياتهم، وإدخال السرور عليهم. وكل ذلك يدخل في مجال محاسن الأخلاق التي بها يكتسب المرء طيب الذكر وحسن الأثر بين الناس.
وقد أكمل موضوع هذا الباب بالباب الذي لحقه وهو الثالث والعشرون الذي جاء فيه الحديث عن محاسن الأخلاق ومساوئها بالتفصيل، ولا يخرج الباب الرابع والعشرون كثيراً عما سبق، فهو خاص بحسن المعاشرة، والمودة، والأخوة، وما يؤدي إلى ارتباط الخلق ببعضهم، ولا نزال- في الكتاب- مع ذكر الأخلاق الحميدة التي ينبغي أن يتحلَّى بها المرء، وهذا هو ما جاء في الباب الخامس والعشرين، حيث يتحدث عن الشفقة على الناس، والرحمة بهم، وعن فضل الشفاعة لمن وقع في مأزق منهم، وفضل إصلاح ذات البين إذا اشتد الخلاف بين المتخاصمين.
والباب السادس والعشرون؛ فيه ما يشبه ما تقدم فهو يتحدث عن الحياء، والتواضع، ولين الجانب، وعدم التكبُّر على الناس، ويتناول الباب السابع والعشرون عكس ذلك لأنه جاء ببيان النهي عن الإعجاب بالنفس والكبرياء والخيلاء الفارغة وما أشبه ذلك.
وفي الباب الثامن والعشرين ذكر للفخر والمفاخرة، وكذا التفاضل بين الناس، والتفاوت في أقدارهم.
وفي الباب التاسع والعشرين حديث عن الشرف وعلو الهمَّة، وبلوغ المجد والأسباب المؤدية إلى نيل ذلك، أما الباب الثلاثون ففيه حديث عن الخير والصلاح، ومن الذي تنطبق عليه هاتان الصفتان من الصحابة والصالحين، واستمرارا لما ورد في هذا الباب فإن الباب الحادي والثلاثين يتناول مناقب الصالحين، فهو شبيه بما سبقه.
وعكس ذلك هو ما جاء في الباب الثاني والثلاثين الذي ذكر فيه المؤلف صفات الأشرار، وما يرتكبون من الفواحش الظاهرة والباطنة. وفي غير ما سبق نرى المؤلف في الباب الثالث والثلاثين قد ابتدأ باباً خاصاً بالجود والسخاء، والكرم، ومكارم الأخلاق، وأورد ذكر الأمجاد من المتقدمين من الناس، أما عكسه فهو ما ورد في الباب الرابع والثلاثين الذي يتحدث عن البخل والشح، ويذكر البخلاء ويورد أخبارهم.
ثم جاءت نقلة أخرى من المؤلف بدأها في الباب الخامس والثلاثين من الكتاب، وتحدث فيها عن الطعام وآدابه، وأساليب الضيافة، وآداب الضيف والمضيف، وأخبار المشهورين بكثرة الأكل، والنهم الشديد.
وفي الباب السادس والثلاثين تحدث الأبشيهي عن عدد من الصفات الكريمة، ومنها العفو والحلم والصفح، وكظم الغيظ، والاعتذار عنه وقوع الإنسان في خطأ مع شخص آخر، وقبول المعذرة، والعتاب، وغير ذلك.
والحق بهذا الباب بابا آخر هو السابع والثلاثون، وفيه ذكر صفات كريمة أخرى هي: الوفاء بالوعد، وحفظ العهد، ورعاية الذمم.
أما في الباب الثامن والثلاثين فقد استمر في حديثه عن الصفات الحسنة، فذكر: كتمان السر، وذم إفشاءه، وفي الباب التاسع والثلاثين أورد ذكر الصفات السيئة وذلك على عكس ما تقدم، وقد عدد الصفات التي ينبغي أن يتجنبها الإنسان وهي: الغدر، والخيانة، والسرقة، والعداوة والبغضاء والحسد.
ولم يستمر في ذلك فعاد في الباب الأربعين إلى ذكر عدد من الصفات الكريمة استكمالا لما سبق له أن ذكر، فأورد حديثا عن الشجاعة، تدبير الحروب، والجهاد، والتحريض على القتال عند مقاتلة الأعداء، ثم ذكر أسماء بعض الشجعان الذين لهم شهرة كبيرة في التاريخ. وكان هذا البند الأخير ضمن الباب الحادي والأربعين. وقد عاد في الباب الثاني والأربعين إلى ذكر مزيد من الصفات الحسنة فأورد شيئا من المعلومات عن المدح والثناء، وشكر النعمة، والمكافأة على الإحسان، وغير ذلك…
وجاء الباب الثالث والأربعين في الهجاء، وقد مثل المؤلف لذلك بأمثلة شعرية كثيرة منها قول الحطيئة الشاعر يهجو نفسه:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما بسوء فلا أدري لمن أنا قائله
أرى بي وجها قبح الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله
أما الباب الرابع والأربعون فهو عن مدح الصدق وذم الكذب. وتلاه الباب الخامس والأربعون ليتحدث المؤلف فيه عن موضوع آخر هو بر الوالين، وذم العقوق، وذكر الأولاد، وما يجب عليهم، وصلة الرحم، وذكر الأنساب.
وفي الباب السادس والأربعين حديث عن صفات الناس وأحوالهم، وبيان للحسن والقبيح من أعمالهم.
وختم الأبشيهي الجزء الأول من كتابه بالباب السابع والأربعين، وهو عن التجمل بالحلي والطيب. وانتقل بعد أن أنهى هذا الجزء إلى الجزء الثاني.

وهذا الجزء وهو الثاني من الكتاب يبدأ بالباب الثامن والأربعين، وينتهي عند الباب الرابع والثمانين، وهو كسابقه متنوع الموضوعات فيه حديث عن الشباب والصحة، وعن أخبار المعمرين من الناس. وحديث عن الأسماء والألقاب، وعن الأسفار والاغتراب، وما قيل في الوداع، وفيه ذكر للغنى والفقر، والتلطف بالسؤال، والهدايا والتحف، والصناعات والأعمال، والكسب بكافة طرقه.
وفيه- أيضا- الشكوى من أحوال الزمان وتقلبُّه، وما فيه من يسر وعسر، وفرج وشدة.
ثم قام المؤلف كما عودنا على الخلط بين الموضوعات المختلفة فقدم هنا حديثا عن الرق، وأخبار العرب في الجاهلية، وطرق بعضهم في تعاطي الكهانة والقيافة وتفسير الأحلام.
ثم تحدَّث عن الحيل والخداع، وعن الوحوش، والطير والهوام، وبعض عجائب المخلوقات وصفاتهم، وخلق الجان مع بيان أشكالهم ومكائدهم.
وانتقل مع ذلك كله إلى ذكر البحار وما فيها من عجائب وذكر الأرض وجبالها وعجائبها ومعادنها وأحجارها. ثم ذكر الأصوات الحسنة، والعشق المرتبط بها، ورقائق الأشعار المتداولة.
ثم ترك هذا لكي يتحدَّث عن الزواج، وصفات النساء اللواتي ينبغي على المرء أن يختار منهن فيقترن بهن، إذا كان مقدما على الزواج. ولم ينس المؤلف أن يتحدث عن الطلاق، وما ورد فيه من أحاديث.
وفي باب كامل تحدث عن تحريم الخمر وذمها، وذم آثارها.
ثم ذكر المزاح، وأكد النهي عنه، مع الترخيص في أنواع منه، وأورد نوادر كثيرة لعدد مختلف من البشر بحسب فئات عملهم، ثم بين ما صدر منهم من نوادر وطرائف.
وبعد هذا تحدث عن الدعاء، وآدابه وشروطه، وعن القضاء والقدر، والتوكل على الله، والتوبة والاستغفار، متنقلا- بعد ذلك- إلى الحديث عن بعض العلل والأمراض، وعلاجاتها، وعن التداوي وعيادة المرضى.
ثم ذكر الموت، والصبر على المصيبة، والتعازي والمراثي، وأحوال الدنيا وتقلباتها.
وكل ذلك الذي ذكرناه هنا مرتب ومقسم على أبواب كما حدث في الجزء الأول، وقد استمر في عرضه للجزء الثاني على الطريقة التي ذكرناها إلى أن ختم الكتاب بجزأيه عند الباب الرابع والثمانين، وكان هذا الباب عن فضل الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقبل النهاية لابد من التنويه إلى أن القارئ لابد وقد لاحظ أن الكتاب بكامله مليء بالأخبار والمعلومات والأشعار والنوادر إلا أن ترتيبه ليس مضطردا كما يجب أن يكون فهو يقوم بالحديث عن شيء ثم يعود إليه بعد عدة صفحات، وهو يقدم ويؤخر دون أن يُعنى بترتيب الأبواب مع موضوعاتها ترتيبا ملائما ومنطقيا، ولكنه على كل حال، أوصل إلينا كتابا حوى كثيرا مما يحتاجه القارئ وأغنى عن عدد من الكتب لامتلائه بكل مفيد.

عقد المؤلف فصلا من فصول الباب السابع الذي خصصه للأمثال السائرة، وقد قلنا هناك إننا سوف نعود إلى الحديث عن هذا الموضوع فيما يتعلق بتشابه بعض الأمثال مع أمثالنا الشعبية الكويتية، وهذا هو مجال ذلك.
ولقد سمى الفصل المشار إليه: «الأمثال السائرة بين الرجال والنساء»، حشد فيه عدداً كبيراً من الأمثال الدارجة، مرتبة على حسب حروف المعجم، بعضها كامل الفصاحة، وبعضها الآخر أقرب إلى لغة العامة. وقد ورد بعض ما ذكر ضمن الأمثال الكويتية. ولقد كان اختياره من الأمثال ذات الصيغة العامية سببا في انتقاد بعض النقاد له، باعتباره مخلا بالعبارات العربية. وواقع الأمر أن الخلل إنما جاء بسبب طبيعة هذه الأمثال التي اختارها وكانت من أمثال العامة في زمنه.
وأدرج بعد ذلك عددا كبيرا من الأمثال الخاصة بالنساء، وكلها كما تقدم عامية الإستعمال. ونحن نكتفي هنا بمقارنة بعض ما ذكره من الأمثال المختلطة بين الرجال والنساء فنختار منها شيئا نقارنه بما لدينا في الكويت من أمثال الرجال والنساء فنختار منها شيئا نقارنه بما لدينا في الكويت من أمثال دارجة. ومرجعنا في ذلك هو كتاب الأستاذ أحمد البشر الرومي: «الأمثال الكويتية المقارنة». وكنا قد تحدثنا من قبل في: «الأزمنة والأمكنة» عن هذا الكتاب، وذكرنا شيئا من الأمثال الكويتية مشيرين إلى ما له أصل منها بما كان العرب يستعملونه من أمثال في لغتهم الفصحى، ولكن ما سوف نذكره هنا مختلف، لأنه أقرب إلى الأمثال التي ترددها العامة في كلامها اليومي، ومن ذلك:
-1 إذا كان صاحبك عسل لا تلحسه كله. وهذا المثل معروف في الكويت، ولكن عبارته تختلف قليلا، والأمر لا يستغرب، لأن تغير الزمان والمكان يؤدي إلى تغير كل شيء حتى الأمثال الدارجة.
ونص المثل في الكويت هو: «إذا صار رفيجك حلو لا تاكله كله» والجيم في رفيجك أصلها القاف في الفصحى.
وله في الكويت عدة صيغ، ولكن هذه الصيغة هي التي اعتمدها الأستاذ أحمد البشر.
-2 بين حانة ومانه حلقت لحانه
وهو في أمثالنا الشعبية مختل قليلا، فقد جاء كما يلي:
«بين حانا ومانا، ضاعت لحانا»
وهو مثل معروف في عدد من البلدان العربية وإن اختلفت صيغته بين بلد وآخر.
-3 «دار الظالم خراب ولو بعد حين»
وهذا المثل مختلف شعبيا عندنا حيث ورد كما يلي:
«بيت الظالم خراب»
وهو كذلك منتشر في أنحاء البلاد العربية.
-4 نص هذا المثل في كتاب المستظرف:
«رزق الكلاب على المجانين»
وله عندنا نص آخر، ولكنه يحافظ على المعنى المراد به، وهو: «رزق القطاوة على الخاملات».
إذ تجد القطط رزقها من بين يدي المرأة الخامل التي لا تستطيع أن تحفظ أشياءها، أو تعتني بعملها.
-5 «سل المجرب ولا تنس الطبيب».
وهذا مثل مشهور عندنا وعند غيرنا من أبناء الدول العربية ونصه هنا يقول:
«إسأل مجرب ولا تسأل طبيب».
-6 «طارت الطيور بأرزاقها»
وهذا المثل معروف ودارج عندنا بنصه تماما.
-7 «كل كرها، واشرب كرها ، ولا تعاشر كرها».
وهو مثل كويتي، ورد في لهجتنا بدون إعراب فنصه هنا:
«كل كره، واشرب كره، ولا تعاشر كره»
-8 ذكر الأبشيهي في كتابه «المستظرف» بيتا اعتبره من الأمثال، وهو مشهور عندنا حتى بين عامة الناس، وقد آثرنا ذكره هنا، مع بيان ما دار حوله.
أشار الشيخ يوسف بن عيسى القناعي في كتابه: «صفحات من تاريخ الكويت» إلى اللهو البحري هنا. وتحدث عن النهمة المعروفة في غناء البحر، وذكر ما يقال فيها بحسب ظروف العمل أثناء الرحلات البحرية القريبة والبعيدة، وقال إن المسعوري في كتابه «مروج الذهب» قد أشار إلى غناء البحارة قبل ألف دسنة، وأثبت منه قولهم:
يا بربره يا بربره وَمَوْجُها كما ترى
يا بربره وشجوني في موجها المجنون

وذكر الشيخ يوسف أنه شاهد هذا الموج المرتفع الموصوف في هذين البيتين، وأنه سمع البحارة يرددون قولهم: شرم برم تريللي، ولم يكن يدري لهما أصلا إلى أن اطلع على هذا البيت الذي ذكره الأبشيهي، وقال عنه إنه يجري مجرى الأمثال، وهو قول الشاعر:
إذا لم تكن لي والزمان شرم برم فلا خير فيك والزمان ترللي
ويبدو أن المقصود بلفظ شرم برم أن الزمان يكون مواتيا لا مشكلات تثور فيه ثم ينقلب إلى العكس فيختل ثم يكون ترللي، وفي الكويت يقولون – عادة – عن الشخص غير المتزن: عقله ترللي .
هذا عرض لكتاب «المستظرف من كل فن مستظرف» للأبشيهي، حاولنا عرضه عرضا وافيا مع الإشارة إلى ما فيه من أمثال مطابقة لأمثالنا الكويتية، وسوف يستمتع القارئ عندما يقرأ هذا الكتاب بكامله لما فيه من فوائد.


أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

86
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top