محــليــات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

القوى السياسية والكتل النيابية في الكويت.. قراءة في الخريطة التقليدية والتحولات المستجدة (2-3)

2013/05/26   07:27 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
القوى السياسية والكتل النيابية في الكويت.. قراءة في الخريطة التقليدية والتحولات المستجدة  (2-3)



الفترة الأخيرة شهدت تطوراً ملحوظاً في الدور السياسي للشباب بحيث أصبح موازياً لدور القوى والتكتلات


التجمعات الشبابية أوجدت حالة غير مسبوقة من الحراك الا انها لم تكن الطرف المستفيد منه بل تيار الإسلام السياسي


التيار الإسلامي استفاد من ضعف التيار الليبرالي وعدم قدرته على تقديم البديل الذي يقنع الناخبين

بعد ان نجحت المعارضة الإسلامية في تشكيل كتلة الأغلبية اتجهت إلى الانفراد بتحديد أولويات الأجندة التشريعية


مقدمة:
بشكل عام، دولة الكويت ليس لديها أحزاب سياسية بالمعنى المتعارف عليه في الكثير من دول العالم، ولكن من الناحية الفعلية والعملية، فإن هذه «الأحزاب» موجودة ولكن تحت مسمى تيارات وجمعيات نفع عام، وهي في الواقع تيارات فرضت ذاتها على المشهد السياسي وتمارس عملها بحرية، ولكل تيار قواعده الانتخابية والمتعاطفون معه وتختلف قوته من دائرة لأخرى حسب المكون الاجتماعي للدوائر.
وخلال الفترة التالية لتحرير دولة الكويت، انتقل عمل القوى والتيارات السياسية في الكويت من السرية الى العلنية، وشهدت الساحة السياسية الكويتية خلال تلك الفترة دخول قوى وتيارات الى عالم السياسة كانت تنأى بنفسها عنه قبل الغزو العراقي للكويت، ولكنها بعد حرب التحرير دخلت الحياة السياسية بقوة، وهي بالأساس تيار الإسلام السياسي الذي تعبّر عنه القوى الممثلة لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك التيارات السلفية.
وبتطور العمل السياسي في الكويت، استقر في الساحة عدة تيارات سياسية رئيسية، تحمل اتجاهات مختلفة ومتنوعة، مثل التيارات الليبرالية وتيارات الإسلام السياسي وكذلك التيارات التي تحمل فكر اشتراكياً، ولكل منها وزنه السياسي وقاعدته الجماهيرية التي يعتمد عليها في منافسات العملية الانتخابية. كما شهدت الكويت مع مطلع الألفية الثالثة ظاهرة جديدة تتمثل في بروز الكتل النيابية داخل مجلس الأمة، التي يتشكل بعضها من تيارات سياسية قائمة بالفعل، ويتشكل بعضها الآخر نتيجة الاشتراك في الدفاع عن قضايا بعينها داخل مجلس الأمة. هكذا ظلت قواعد اللعبة السياسية مستقرة عند أنماط مختلفة ومتباينة من التفاعلات بين تلك التيارات والكتل من جانب والحكومة الكويتية من جانب آخر.
عقب أحداث ما عرف إعلامياً بـ«ثورات الربيع العربي»، والذي لم تقتصر تداعياته عند حدود الدول التي شهدت هذه الثورات فقط، بل امتدت الى العديد من الدول العربية الأخرى وإن بأنماط ودرجات تأثير متفاوتة من دولة الى أخرى، لم تكن دولة الكويت استثناء من التأثر بتلك التداعيات، وإنما شهدت الحياة السياسية الكويتية، عدة تحولات رئيسية سواء على صعيد الخريطة المشكلة للقوى والتيارات السياسية والكتل النيابية القائمة، أو على صعيد أنماط التفاعلات بين تلك التيارات والكتل من جانب والحكومة من جانب آخر.
انطلاقاً مما سبق، يتناول هذا العدد من التقرير الخريطة التقليدية للقوى والتيارات السياسية في الكويت والتحولات التي طرأت عليها أخيرا، وذلك من خلال ثلاثة أقسام، الأول: يقدم قراءة في خريطة التيارات السياسية الكويتية والكتل النيابية بعد حرب التحرير عام 1991، والثاني: يقدم قراءة في أهم التحولات في خريطة وتفاعلات التيارات السياسية والكتل النيابية في الكويت بعد أحداث «الربيع العربي»، والثالث: يقدم استنتاجات وملاحظات ختامية.
أولاً: قراءة في خريطة التيارات السياسية الكويتية والكتل النيابية بعد حرب التحرير 1991:
يرجع اختيار هذه النقطة الزمنية كنقطة انطلاق الى اعتبارات عديدة تتصل في مجملها بالتبدل الكبير في الواقع السياسي الكويتي قبل كارثة الغزو وبعده، ناهيك عن أن عام 1991 هو العام ذاته، الذي شهد انطلاقة العديد من الحركات السياسية الكويتية، الناشطة علناً، وان لم تكن مشهرة قانوناً. فقد برز في الكويت بعد التحرير واقع سياسي جديد اتسم بالانفراج النسبي على مستوى الحريات السياسية، وكانت هناك تطلعات طموحة لدى قطاعات واسعة من الشعب الكويتي بأن يتم بناء الكويت الجديدة بعد التحرير على أسس جديدة، وكانت أيضاً هناك تحديات كبيرة واجهتها الدولة الكويتية، وواجهها المجتمع الكويتي، كما تعرضت القيم والأفكار الى هزات كبرى، وحدثت تبدلات في المواقف والاصطفافات، ونشأت علاقات جديدة، وانقطعت علاقات وثيقة واتصالات تقليدية كانت قائمة مع قوى سياسية اقليمية أو دولية، ناهيك عما شهده العالم حينذاك، وليس الكويت فقط من هزات وتغيرات كبرى.
خلال الفترة التالية لحرب التحرير، يمكن القاء الضوء على الخريطة التقليدية التي استقرت عليها القوى والتيارات السياسية، وكذلك الكتل النيابية التي ظهرت مع مطلع الألفية الثالثة، على النحو التالي:




ومن الملاحظات الجديرة بالذكر بشأن التنظيمات والتجمعات السياسية، التي تشكلت بعد التحرير على اختلاف توجهاتها الفكرية والسياسية، هي أنها ليست امتداداً لتنظيمات عربية أو خارجية، كما حرصت على إبراز هويتها الكويتية، والتزامها بالنظام الدستوري، وتتفاوت هذه التنظيمات والتجمعات في درجة تنظيمها ووضعها المؤسسي ومدى التزامها الديموقراطية الداخلية، فبعضها يعقد مؤتمراته وينتخب قياداته وبعضها الآخر لا يعلن ذلك، وربما لا يمارسه.
(ب)- على مستوى الكتل النيابية:
النصف الثاني من الخريطة السياسية للقوى السياسية الكويتية في مرحلة ما بعد التحرير يكتمل بالحديث عن المستوى الثاني المتعلق بالكتل النيابية، ويقصد بها الكتل التي تتشكل بعد ظهور نتائج الانتخابات أو أثناء انعقاد الفصل التشريعي، وقد يكون المنتمون للتكتل هم منتمين لتيارات سياسية مختلفة مما سبق تناولها أو أعضاء مستقلين، يجتمعون على أجندة عمل أثناء انعقاد المجلس، ويتفقون على أولويات كانتخابات اللجان أو الاتفاق على خطوط عريضة لبرنامج عمل مشترك يجمعهم، ويكون تصويتهم غالباً متضامنا.
وقد ظهر التوجه الى إنشاء الكتل البرلمانية بشكل بارز في الساحة السياسية الكويتية بعد أن تشكلت كتلة العمل الشعبي في ابريل 2001، فظهرت كتلة العمل الوطني وكتلة التنمية والإصلاح وغيرها من الكتل التي لم يكتب لبعضها الاستمرار. وترتكز الكتل البرلمانية في نشأتها على القضايا المحلية وابتعادها عن الوحدة الايديولوجية، لاختلافات أعضائها الايديولوجية، فقد يكون الرابط بينها موقفا موحدا حول عدة قضايا، ولا تعتمد على التضامن الكلي في قضايا التصويت، فتترك في أحيان عدة التصويت لقناعة أفراد التكتل بعيد عن الزامهم بموقف موحد، وفيما يلي أبرز وأهم الكتل النيابية:
(1) - كتلة العمل الشعبي:
تأسست هذه الكتلة في عام 2001، وبدأت خطوتها التنظيمية الأولى بتصريح الناطق الرسمي للكتلة النائب مسلم محمد البراك بتاريخ 16 من مارس عام 2001 عن بدء مرحلة تأسيس كتلة العمل الشعبي، وبتاريخ 9 من ابريل عام 2001، تم الإعلان عن تشكيل لجنة ثلاثية من أعضائها لترتيب جدول أعمالها، وضمت اللجنة النواب أحمد عبدالعزيز السعدون وعدنان سيد عبدالصمد ومسلم محمد البراك، وتعتبر أول تكتل برلماني يجمع أطياف المجتمع الكويتي(15).
(2) - كتلة التنمية والإصلاح:
تشكلت بعد انتخابات مجلس الأمة بفصله التشريعي الثالث عشر (2009) وتكونت آنذاك الكتلة من أربعة أعضاء، هم (د.وليد مساعد الطبطبائي، د.جمعان ظاهر الحربش، د.فيصل على المسلم، فلاح مطلق الصواغ)، ويلاحظ على تشكيلها الأولي ان أعضائها في التجربة الأولى كانوا ينتمون الى تكتلات سياسية مختلفة، ولكن جميعها كانت ذات توجهات دينية(16).
(3) - كتلة العمل الوطني:
أعلن عن تشكيل الكتلة لأول مرة بتاريخ 9 من اكتوبر عام 2006، وتزامن مع الفصل التشريعي الحادي عشر (2006)، وتتشكل كتلة العمل الوطني من أعضاء التحالف الوطني والمنبر الديموقراطي وفئة التجار والمستقلين، وتعرف نفسها على أنها «هي تكتل عدد من نواب الأمة لخدمة العمل الوطني، يجمعهم التمسك بالقيم الإسلامية وأحكام الدستور، ويلتقون في التصدي لكافة أنواع الفساد الأخلاقي والسياسي داخل وخارج مجلس الأمة، من أجل تقدم الكويت ورقيها وازدهارها»(17).
ثانياً: قراءة في أهم التحولات في خريطة وتفاعلات التيارات السياسية والكتل النيابية في الكويت بعد أحداث الربيع العربي:
يرجع اختيار فترة ما بعد أحداث الربيع العربي كنقطة زمنية للحديث عن التحولات التي مرت بها القوى السياسية والكتل النيابية الكويتية، الى تداعيات تلك الأحداث على مجمل التفاعلات في العديد من الدول العربية بما فيها تلك التي لم تشهد ثورات أو حتى انتفاضات، ومنها دولة الكويت.
ويمكن في هذا السياق رصد أربعة تحولات رئيسية وتحليل أنماط تأثيرها وتفاعلاتها على الساحة السياسية الكويتية، الأول: بروز تنظيمات وتجمعات شبابية جديدة ما لبثت أن خفتت الأضواء من حولها بعد فترة قصيرة من تأسيسها، والثاني: يتمثل في الصعود اللافت لتيار الإسلام السياسي ومحاولاته تصدر المشهد السياسي، والثالث: يتمثل في محاولات المعارضة الكويتية من خارج البرلمان (التي رفضت المشاركة في الانتخابات الأخيرة في ديسمبر 2012) التوحد في أكثر من صيغة في سبيل تنظيم صفوفها وتنسيق مواقفها، والرابع: تأسيس كتل برلمانية جديدة في المجلس الحالي كبدائل للكتل التقليدية التي ظلت مسيطرة لسنوات طويلة على التشكيلات النيابية السابقة، ولكنها رفضت المشاركة في البرلمان الحالي احتجاجاً على التعديل الذي أدخل على نظام التصويت في الدوائر الانتخابية.
(أ)- التحول الأول: تأسيس عدد من التجمعات الشبابية: شهدت الكويت في الفترة الأخيرة تطوراً ملحوظاً في الدور السياسي للشباب، بحيث أصبح دورا موازيا لدور القوى والتكتلات السياسية، على نحو يستحق معه أن يشكل مساراً رئيسياً من مسارات الحراك السياسي، والذي ارتبط باستخدام تقنيات الاتصال الحديثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشبكة الانترنت.
جدير بالذكر أن هذا النشاط في دور الشباب السياسي ليس وليد اللحظة، فقد ظهر التحرك الشبابي الضاغط أول الأمر في قضية الحقوق السياسية للمرأة خلال ربيع عام 2005، وهي قضية كانت محل خلاف في صفوف المجتمع والقوى السياسية والنواب، ثم تحول التحرك الشبابي المبادر والضاغط الى تحرك موحد في قضية محل توافق وطني واسع هي قضية اصلاح النظام الانتخابي، فيما عُرِف بحركة «نبيها خمس»، وهو تحرك شاركت فيه مختلف القوى الشبابية والطلابية وشاركت فيه جماهير حاشدة تنامى عددها مع الوقت، مما أدى مؤقتاً الى انتقال مركز الثقل والمبادرة في الحراك السياسي من القوى السياسية والنواب الى الحركة الشبابية(18).
ولكن الجديد في دور ونشاط الشباب الكويتي خلال الفترة الأخيرة – والذي يعد أحد التحولات الأخرى التي شهدتها الساحة السياسية الكويتية في سياق التأثر بأجواء التغيير الذي شهدته المنطقة العربية منذ بدايات العام الماضي 2011 - هو تأسيس بعض التجمعات الشبابية بأهداف وأطروحات جديدة تجاه بعض القضايا المتداولة في المشهد السياسي، وكان من أهم هذه التجمعات الشبابية، حركة كافي وهي عبارة عن حركة شبابية تأسست في 28 فبراير 2011، وشباب السور الخامس، وهي حركة تأسست في الشهر ذاته، وكذلك حملة نريد التي تأسست في مارس من العام الماضي 2012 أيضاً، وكتلة نهج التي تأسست في ابريل من العام الماضي 2011، وكان الهدف المشترك الذي التفت حوله هذه التجمعات الشبابية - وتحقق في النهاية - هو المطالبة بتغيير حكومة الشيخ ناصر المحمد السابقة، حيث كان القاسم المشترك في البيانات التأسيسية المختلفة لتلك الحركات وشعاراتها في التظاهرات والمسيرات المختلفة، هو «نهج جديد.. رئيس جديد.. حكومة جديدة».
ورغم ان هذه التجمعات الشبابية أوجدت حالة غير مسبوقة من الحراك السياسي، إلا أنه على أية حال لم تكن الطرف المستفيد منه، بل استفاد منه تيار الإسلامي السياسي الذي حاول ركوب هذه الحالة وتصدر المشهد السياسي على حساب أهداف وتطلعات تلك الحركات الشبابية التي خفت دورها وتأثيرها بمرور الوقت، وهذا ما سوف يتضح أكثر في النقاط التالية.
(ب)- التحول الثاني: الصعود اللافت لتيار الإسلام السياسي، وتغير قواعد اللعبة السياسية:
منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، كان للتيار الإسلامي حضور متفاوت في التشكيلات المتتالية لمجلس الأمة الكويتي ما بين الحضور القوي تارة والتمثيل المتواضع تارة أخرى. ولكن منذ أن اتضح ان «المزاج العام» في المنطقة العربية، في أعقاب ما عُرف بـ«ثورات الربيع العربي»، يصب بوضوح في مصلحة الإسلاميين بتياراتهم المختلفة، انعكس ذلك أيضاً على وضع تيار الإسلام السياسي في الكويت، على نحو ما عكسته انتخابات مجلس الأمة في فبراير 2012، والتي أسفرت عن فوز التيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي بـ27 مقعدا، ليشكل مع عدد من النواب الآخرين كتلة الأغلبية المعارضة التي حصدت 34 مقعدا من برلمان 2012.
والحقيقة أن تيار الإسلام السياسي في الكويت لم يستفد فقط في صعوده اللافت من أجواء الربيع العربي، وانما استفاد أيضاً من البيئة والسياق الداخلي التي أجريت فيها انتخابات فبراير 2012، حيث جاءت على خلفية اتهامات للحكومة بالفساد وإهدار المال العام، وفضيحة الإيداعات المليونية لعدد من نواب مجلس الأمة السابق لتلك الانتخابات، وهي احدى القضايا التي هزت الكويت في تلك الفترة وشملت 13 نائباً، اتهموا من قبل المعارضة بتلقي الأموال من الحكومة السابقة التي ترأسها الشيخ ناصر المحمد الصباح لتمرير مشروعات للحكومة مما دفع الى تسمية مجلس الأمة 2009 بمجلس «المرتشين والقبيضة»، كما استفاد التيار الإسلامي أيضاً من ضعف التيار الليبرالي في الكويت وعدم قدرته على تقديم البديل الذي يقنع الناخبين، هذه العوامل مجتمعة صبت في صالح صعود تيار الإسلام السياسي، الذي قادته الحركة الدستورية الإسلامية (حدس) المعبّرة عن جماعة الإخوان المسلمين في الكويت(19).
على صعيد آخر، شهدت قواعد اللعبة السياسية بين هذا التيار والحكومة الكويتية تغييراً ملحوظاً. ففي السابق، كانت قواعد هذه اللعبة تكاد تنحصر في آلية ممارسة أدوات الرقابة البرلمانية في مواجهة أعضاء الحكومة الكويتية، وتحديداً أداة الاستجواب. فنواب المعارضة بشكل عام ظلوا يؤكدون على تمسكهم بحقهم الدستوري في مراقبة أداء الحكومة عبر أداة الاستجواب، في حين ان الحكومة كانت توجه اليهم اتهامات بالإفراط في ممارسة هذه الأداة وعدم التدرج في استخدام أدوات الرقابة البرلمانية والقفز مرة واحدة الى أداة الاستجواب وإفراغها من مضمونها بسبب استخدامها لأسباب شخصية تستهدف أشخاص الوزراء وليس أداءهم. محصلة هذا التفاعل كانت تدفع الحكومة في بعض الأحيان الى الصعود للمنصة ومواجهة الاستجوابات المقدمة ضدها، وفي أحيان أخرى يستقيل الوزير المستجوب قبل الجلسة المخصصة لاستجوابه، ولكن في معظم الأحيان كانت تقود هذه الأجواء الى أزمات مستعصية بين الحكومة والبرلمان تنتهي إما باستقالة الحكومة أو حل البرلمان.
ومن ثم، كانت قواعد اللعبة السياسية بين التيار الإسلامي (ونواب المعارضة عموماً)، والحكومة الكويتية، تنحصر في اطار النظام السياسي الكويتي القائم دون أن تتعداه الى المطالبة باحداث تغيير فيه من قريب أو بعيد، مع وجود سقف أدنى للمطالب لم يتعد مجرد المطالبة بعدم اعادة بعض الوزراء أو عدم توزير أشخاص آخرين بعينهم، وهو الأمر الذي تغير بشكل كبير بعد أحداث الربيع العربي في سلوك المعارضة الإسلامية عموماً، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين الكويتية.
ولكن بعد أن نجحت المعارضة الإسلامية في تشكيل كتلة الأغلبية في برلمان 2012 المبطل، اتجهت الى الانفراد بتحديد أولويات الأجندة التشريعية دون التشاور مع الكتل السياسية الأخرى، كما اتجهت الى العمل على أسلمة القوانين، (٭) بالإضافة الى استخدام أداة الاستجواب بشكل مكثف في مواجهة عدد من أعضاء الحكومة وفي مواجهة رئيس الحكومة نفسه الشيخ جابر المبارك، مما خلق نوعا من التأزيم غير المسبوق في العلاقة بين الحكومة والبرلمان. لكن التغيير الأهم في سلوك المعارضة الإسلامية كان في تبنيها مطلب «الإمارة الدستورية» الذي تدعمه بشكل أساسي جماعة الإخوان المسلمين الكويتية، وعملت على حشد أكبر تأييد سياسي له(20). ومن المهم الإشارة في هذا السياق الى أن المعارضة الإسلامية وتيارات المعارضة الأخرى فقدت المظلة البرلمانية في تحريك مطالبها، مرتين، الأولى رغماً عن إرادتها والثانية طواعية بقرار منها. ففي المرة الأولى: جاء حكم المحكمة الدستورية الكويتية (في 20 يونيو الماضي 2012) ببطلان إجراء انتخابات فبراير 2012 وبالتالي بطلان المجلس الذي تشكل عنها، والحكم بعودة مجلس 2009 الذي كان يشكل فيه التيار الإسلامي أقلية ويسيطر عليه أغلبية موالية للحكومة. والمرة الثانية: كانت بعد صدور مرسوم أميري بحل مجلس 2009 الذي أعادته المحكمة الدستورية للحياة، ثم رفض المعارضة الدخول في الانتخابات الجديدة (التي أجريت في ديسمبر 2012) بسبب اعتراضها على إدخال تعديلات على نظام التصويت في الدوائر الانتخابية.
البديل الذي لجأت اليه المعارضة بعد خروجها من البرلمان كان الشارع السياسي كأداة لحشد التأييد لمطالبها السياسية ومباشرة ضغوط مباشرة على الحكومة عبر تنظيم تظاهرات رافضة لتعديل نظام التصويت في الدوائر الانتخابية، اتخذت هذه التظاهرات مسميات «كرامة 1 و2 وغيرهما»، ووصل الأمر ذروته بخروج لهجة الخطاب السياسي المعارض عن خطوط حمراء تعودت المعارضة على عدم تجاوزها، ولكن تم تجاوزها أخيراً وأسفرت – ضمن تداعياتها - عن صدور حكم بالحبس على النائب السابق مسلم البراك بسبب إلقائه خطابا في احدى التظاهرات تعدى فيه على الذات الأميرية، مما أدخل البلاد في حلقة جديدة من مسلسل التأزيم الذي لم ينته منذ سنوات قليلة مضت.
(ج) - التحول الثالث: محاولات توحيد تيارات المعارضة السياسية: أحد التحولات الأخرى التي شهدتها القوى السياسية الكويتية، هو بروز محاولات من أجل توحيد تيارات المعارضة السياسية في كيان واحد لتنظيم تحركاتها وتوحيد مطالبها، خاصة بعد أن أصبحت معارضة من خارج البرلمان، ويمكن في هذا السياق رصد محاولتين رئيسيتين، وتقييم مدى إمكانية استمراريتهما وفاعليتهما على الساحة السياسية:
(1) - المحاولة الأولى: تأسيس الجبهة الوطنية لحماية الدستور: تم تأسيس هذه الجبهة في التاسع من شهر سبتمبر 2012، وضمت الحركة الدستورية الإسلامية (حدس) الممثلة لإخوان الكويت، وعددا آخر من الكتل السياسية، مثل كتلة التنمية والإصلاح، وكتلة العمل الشعبي، وكتلة العدالة، أي أنها ضمت كتلة الأغلبية المعارضة في مجلس 2012 المبطل، حتى ان البعض اعتبر ان الكتلة والجبهة وجهان لعملة واحدة. وحددت هذه الجبهة أربعة أهداف على المدى القريب، تمثلت في: (1) - التصدي لنهج الانفراد بالسلطة، وتحديدا رفض محاولة الحكومة تغيير النظام الانتخابي على نحو منفرد، (2) - الإسراع الى تلبية الارادة الشعبية بحل مجلس 2009، والعودة الى إرادة الأمة عبر صناديق الانتخابات (وبالفعل تم حل هذا المجلس). (3) - وضع حد لمحاولات السلطة إقحام القضاء في مناوراتها السياسية، (4) - مواجهة الفساد تشريعيا ورقابيا. كما حددت أربعة أهداف أخرى على المدى البعيد، تمثلت في: (1) - استكمال التطور الديموقراطي نحو نظام برلماني كامل. (2) - سن قانون ديموقراطي لإشهار الهيئات السياسية، (3) - سن قانون انتخابي جديد وفقا لنظام الدائرة الانتخابية الواحدة والتمثيل النسبي ونظام القوائم، وانشاء هيئة مستقلة للانتخابات، (4) - إصلاح القضاء وتطويره ودعم استقلاليته، وفي مقدمة ذلك انشاء محكمة دستورية مستقلة وفقاً لنص المادة 173 من الدستور.(21) وفرضت الجبهة نوعا من «النهج الإلزامي» على من يريد المشاركة فيها فيما بعد، بتأكيدها منذ البداية على الزامية مشروعها للأطراف المشاركة فيها وتلك الراغبة في الانضمام اليها، دون إعطاء حق التحفظ على أي بند من بنوده أو عنوان من عناوين المشروع بأي حال من الأحوال(22).
ولكن من الناحية العملية، لم يكن للجبهة أي دور عملي على أرض الواقع، حتى ان وسائل الإعلام المحلية انصرفت عن متابعة أخبارها بعد الزخم الإعلامي الكبير الذي شهدته الجبهة في لحظة إنشائها، ويضاف الى ما سبق ان بعض الكتل والقوى السياسية رفضت المشاركة في تلك الجبهة، مثل: التحالف الوطني الديموقراطي، المنبر الديموقراطي، التجمع السلفي، وكذلك ما يسمى بحزب الأمة، اضافة الى عدد من النواب المستقلين(23).
(2) - المحاولة الثانية: تأسيس ائتلاف المعارضة: المحاولة الثانية كانت في مارس الماضي 2013 الذي شهد انطلاق ما يسمى بـ«ائتلاف المعارضة» وذلك في ديوان النائب السابق مسلم البراك، بمشاركة عدد من التيارات والقوى السياسية وممثلين عن جمعيات النفع العام والنقابات العمالية والنفطية. وضم «الائتلاف» ممثلين عن كتلة الأغلبية في مجلس 2012 المبطل، وكتلة العمل الشعبي، والحركة الدستورية الإسلامية (حدس) وحزب الأمة والتيار التقدمي، ومظلة العمل الكويتي (معك) والاتحاد الوطني لعمال الكويت، اضافة الى عدد من الحركات السياسية الأخرى والحركات الشبابية والاتحاد الوطني لطلبة الكويت وست قوائم طلابية جامعية. واستعرض البراك بيان الائتلاف الذي تبنى ثلاثة مطالب رئيسية ممثلة بالالتزام بأولوية الاصلاح السياسي بوصفه «المخرج الحقيقي من الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وذلك عبر الانتقال للنظام البرلماني الكامل، الذي يستند لإشهار الأحزاب والتعددية السياسية والقوائم النسبية». والهدف الثاني هو «اطلاق الحريات العامة ورفض التضييق عليها والتصدي لنهج الانفراد بالسلطة ومنع الانقلاب التدريجي على المكتسبات الدستورية، مع رفض الملاحقات الأمنية لعناصر المعارضة، الى جانب رفض كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية، ومحاسبة المسؤولين عن التعسف الأمني»(24).
ونص الهدف الثالث لائتلاف المعارضة على وجوب الإسراع بحل مجلس الأمة بوصفه صنيعة للسلطة، والعودة في أسرع وقت الى إرادة الأمة بإجراء انتخابات نيابية وفقا لآلية التصويت التي نظمها القانون رقم 42 لسنة 2006 «خمس دوائر وأربعة أصوات». ويضم ائتلاف المعارضة تنظيماً داخلياً يتخذ القرارات السياسية بناء على التوافق، ويتكون من جمعية عمومية تتولى تقديم الاقتراحات والتوصيات وتناقش التوجهات والسياسات العامة، ومكتباً سياسياً يتكون من جميع القوى في الائتلاف(25). وتم تزكية النائب السابق مسلم البراك منسقاً عاماً، ويوسف الشطي ناطقاً رسمياً، وفهد العبدالجادر أمين سر لهذا الائتلاف.
وفي سياق تقييم مدى استمراراية هذا الائتلاف ومدى فاعليته على الساحة السياسية الكويتية، يمكن الإشارة الى عدد من الملاحظات تقود في النهاية الى دعم احتمالات عدم استمرار هذا الائتلاف لمدة طويلة، أو ان يتحول الى ائتلاف شكلي ليس له دور فاعل على أرض الواقع ويكون مصيره مثل مصير «الجبهة الوطنية لحماية الدستور»، ومن تلك الملاحظات ما يلي:
< انعدام الرؤية المستقبلية لكثير من الكتل المكونة للائتلاف، وعدم الاتفاق على الأهداف أو حتى آليات تحقيقها، وهذا ما يتضح في ظل تمسك البعض، وفي مقدمتهم أعضاء كتلة العمل الشعبي، برفع سقف المطالب دون تراجع، مثل المطالبة بالحكومة المنتخبة وتعديل الدستور، في مقابل جنوح البعض الآخر، الى التهدئة وعدم التصعيد في اتجاهات تفضي الى المجهول. فعلى سبيل المثال، لا يمكن القول إن هناك اتفاقاً كاملاً بين المعارضة بشأن مطلب بالحكومة المنتخبة، اذ يتوجّس الكثيرون من هذا المطلب نظراً الى ما قد يؤدي اليه من صراع بين مكونات المجتمع للاستحواذ على تشكيل الحكومة، والدخول في أتون صراع المحاصصة، كما هو حاصل في عدد من البلدان التي تعتمد هذا النظام(26).
لذلك، على الرغم من ان المعارضة في السابق كانت تبدو وكأنها كيان واحد، حيث جمعهم هدف واحد محدد، وحظي بشبه اجماع بين القوى السياسية، ألا وهو اسقاط حكومة الشيخ ناصر المحمد، وقد نجحوا في ذلك، متجاوزين الفروقات في الطرح السياسي، إلا أن الصورة تغيرت كثيراً في الفترة الأخيرة، بعد أن سادت بينهم الفروقات في الأهداف والتنافس على توزيع الأدوار، وبات يصعب عليهم تجاوز الاختلاف قبل الائتلاف، وباتت نقاط الاختلاف أكثر من نقاط الاتفاق.(27)
< التراجع الملحوظ في القاعدة الشعبية للمعارضة من خارج البرلمان: فعلى الرغم من شعبية الشعارات التي ترفعها المعارضة، إلا أن تاريخ وممارسات أعضائها السابقة والحالية، أدت الى نفور القواعد الشعبية منها، وكانت هذه الممارسات واضحة منذ دخولهم البرلمان كأغلبية بعد انتخابات فبراير 2012، فعلى الرغم من ان هذه الفترة لم تتعد الأربعة أشهر (حيث تم حل المجلس في يونيو 2012 كما سبقت الإشارة)، إلا أن الأداء لم يكون دون طموح الناخبين، بعد ان أثبتت المعارضة وخاصة المعارضة الإسلامية ان أفكارها لا تمت للدولة المدنية بصلة، بعد تبنيها – وخلافاً للشعارات التي رفعتها كالمطالبة بالمزيد من الديموقراطية - تبني عدة قضايا توحي برغبته في تحويل الكويت الى دولة دينية، في ضوء بعض النماذج التي سبقت الإشارة اليها بشأن «أسلمة القوانين»، على حساب أولويات وشعارات رفعها التيار الإسلامي خلال الحملات الانتخابية ودغدغ بها مشاعر الناخبين.(28)
كما زاد من هذا النفور الشعبي أيضاً، رفض بعض الممارسات، التي شابت عمل المعارضة، ومنها النزول الى الشوارع وإغلاقها والاحتكاك برجال الأمن، فضلاً عن الاتهامات التي أصبحت توجه الى المعارضة باستغلال الشباب وتعريضهم للملاحقات الأمنية والأحكام القضائية، التي قد تصل عقوبتها الى السجن لسنوات طويلة، وتحويلهم الى ذخيرة تحترق من أجل كسب معركة سياسية مع الحكومة، ومن يتتبع أنشطة وفعاليات وتحركات المعارضة يجد أنها انحصرت في اجتماعات وندوات وتصريحات صحافية مكررة(29).
لذلك تسعى المعارضة في الفترة الأخيرة الى معالجة هذا الجانب، والعودة مرة أخرى الى (ساحة الإرادة) والشارع مجدداً، من أجل احياء مشروعها السياسي، بعدما خفت بريقه إعلامياً وشعبياً، معوّلة على استثمار التعاطف الشعبي في حال صدور أحكام بحق الشباب ورموز المعارضة في بعض قضايا الرأي، وهذا ما حدث أخيرا عندما حاولت استغلال قضية حبس النائب السابق مسلم البراك، وتحويلها الى مادة خصبة لحشد وتنظيم التظاهرات مرة أخرى.
< يضاف الى ما سبق أن هذا الائتلاف لا يضم جميع القوى الفاعلة على الساحة، فالسلبيات المشار اليها في أداء المعارضة وتراجع شعبيتها، اضافة الى احتضانها عناصر تتسم بالطرح الطائفي والفئوي، أدت الى انكماش رقعة امتداد المعارضة الى تيارات سياسية أخرى ذات ثقل على الساحة الكويتية، مثل المنبر الديموقراطي، الذي يشكل الشيعة مكوناً مهماً من قواعده، ناهيك عن رفض عدد من المؤسسات الفكرية والسياسية وجمعيات النفع العام الاندماج في حراك تقوده عناصر تحمل شعارات – مثل العدالة والوحدة الوطنية ومحاربة التمييز بين الجنسين - لا تعكس سلوكها على أرض الواقع، حتى ان ما يعرف بـ«حزب الأمة»، شن حزب الأمة هجوماً عنيفاً على الائتلاف الجديد ومنسقه مسلم البراك، معتبراً ان معارضة البراك معارضة صورية، امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، ووصل الأمر الى قيام «الحزب» بإسقاط عضوية: د.عواد محمد الظفيري، د.فيصل محمد الحمد، لمخالفتهم قرار الحزب الصادر بتاريخ 2013/2/21 بعدم المشاركة بالائتلاف(30).
< يضاف الى ما سبق أيضاً ابتعاد قطاع عريض من الشباب عن ائتلاف المعارضة، فالشباب الكويتي ظل لفترة غير بعيدة الوقود الذي اعتمدت عليه المعارضة في تحركاتها خلال الفترة الأخيرة، ولكن نتيجة الممارسات السلبية العديدة التي سبقت الاشارة اليها في أدائها، حدث تراجع في اندفاع وحماسة الشباب وابتعد قطاع عريض من الشباب عنها، كما ضاعفت التناقضات والخلافات بين أعضاء المعارضة ورموزها وتشعب أهدافهم ومآربهم السياسية، من خيبة الأمل لدى الشباب، في أن تكون الغالبية المعارضة بديل يحقق لهم تطلعاتهم وأهدافهم(31).
هذه الملاحظات المشار اليها يستند اليها البعض في التنبؤ بعدم استمرارية ائتلاف المعارضة الكويتية، أو على الأقل عدم فاعليته وتحوله الى شو إعلامي هدفه الوحيد الوجود على الساحة وجذب الأضواء التي خفتت، وستار ترسل من خلاله المعارضة رسائلها الى السلطة،(32) ولكن التطورات على أرض الواقع هي الفيصل الوحيد في الحكم على مدى صحة هذه التوقعات.
(د) - التحول الرابع: تأسيس كتل نيابية جديدة... هل تمثل بديل للكتل التقليدية؟
أحد التحولات الأخرى المهمة هو ما شهده المجلس الحالي الذي أجريت انتخاباته في ديسمبر 2012، من بروز كتل نيابية جديدة تم الإعلان عنها خلال الفترة الأخيرة، وتتمثل بالأساس في:
(1) - كتلة المستقبل:
تضم في عضويتها النواب: صالح عاشور وأحمد المليفي ويعقوب الصانع ونواف الفزيع وخليل الصالح وعبدالله التميمي وهشام البغلي، وجاء في بيان الكتلة التأسيسي ان كتلة المستقبل، هي «كتلة وطنية مقصدها تحقيق أصول الممارسة البرلمانية من أجل تنمية الكويت، وتعمل على استقطاب الجميع لتحقيق العدالة والمساواة وبما يتوافق مع رؤى الكتلة، حتى يتسنى للمواطن والمقيم حياة عصرية ومدنية، حاضراً ومستقبلاً، لتكون الكويت ضمن الدول الرائدة في العالم»، وحددت أهدافها في: التنمية الشاملة، وترسيخ الديموقراطية، والعدالة والمساواة، والقيم الأخلاقية الفاضلة، وضمان الحريات، والشفافية لتحقيق الإصلاح، والتصدي للفساد بكل أشكاله وأنواعه وصوره، والبعد عن الطرح الطائفي والقبلي وأي طرح من شأنه المساس بوحدة المجتمع وعناصر تكوينه(33).
(2) - كتلة «المستقلون»:
تم تأسيسها في فبراير 2013، وتضم في عضويتها 8 نواب هم: ناصر المري وبدر البذالي وحمد الهرشاني وسعد البوص وعادل الخرافي وفيصل الكندري ومشاري الحسيني وطاهر الفيلكاوي. وذكر النائب ناصر المري الذي أعلن عن تأسيس هذه الكتلة في فبراير الماضي 2013، ان باب الانضمام الى الكتلة مفتوح لكل من أراد الدخول فيها ولمن يتفق معنا في الأهداف، وقال «سيكون لنا لقاء دوري مع الإعلام لاطلاعهم على أجندتنا المعتمدة وما تحقق منها وما سيتحقق بتواريخ محددة، وسنعمل مع بقية الزملاء الأعضاء على تحقيق الهدف السامي لكل محب لهذه الأرض الطاهرة وهو العدل الاجتماعي وأن يكون جميع المواطنين سواسية لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، وأضاف «سنتعاون مع الفريق الحكومي وندعمه ان أصاب وسنقومه ان أخطأ وسنمارس الدور الرقابي وتحقيق تكافؤ الفرص»(34).
(3) - كتلة المحافظون:
تضم النواب النائب سعود الحريجي وحماد الدوسري ومشاري الحسيني وعبدالرحمن الجيران، وتتمثل أهدافها في «المحافظة على الثوابت الشرعية وعادات المجتمع الكويتي وتقاليده».(35) وفي حوار صحافي معه، أعلن عضو الكتلة النائب سعود الحريجي سعي الكتلة ورغبتها في تعديل الدستور خلال الفصل التشريعي الجاري، مؤكداً ان تعديل المادة الثانية من الدستور طموح الكتلة، وأضاف «نعم لدينا الرغبة في تعديل الدستور خاصة المادة الثانية ونحن نسعى حالياً الى أسلمة القوانين لتكون متوافقة مع الشريعة الإسلامية»، مبيناً ان تعديل المادة الثانية هو السقف العالي لمطالب الكتلة، وأسلمة القوانين هدف حالي تدفع لتحقيقه. (36)
هذه الكتل البرلمانية التي ولدت في المجلس الحالي، الذي انتخب وفق مرسوم الصوت الواحد، أثارت تساؤلات من قبيل مدى تأثير هذه الكتل في واقع عمل المجلس؟ وأوجه الاختلاف عن الكتل البرلمانية السابقة التي شكلت عناوين عمل المجالس البرلمانية المختلفة مثل «العمل الوطني» و«الشعبي» و«التنمية والإصلاح»؟
في هذا السياق، يمكن رصد وجهتي نظر رئيسيتين:
< وجهة النظر الأولى: كتل برلمانية فاعلة ستمثل بديلاً عن الكتل التقليدية:
ثمة وجهة نظر تنظر بشكل إيجابي الى هذه الكتل الجديدة، وتتوقع لها ان تشكل مع مرور الوقت والمزيد من التعريف بها، بديلاً عن الكتل التقليدية في المجالس البرلمانية السابقة، وتستند وجهة النظر هذه الى عدد من الاعتبارات، منها:
- التنوع والشمول والاستقلال:
يرى البعض ان بعض هذه الكتل تضم كل أطياف المجتمع الكويتي، ففيها السنّي والشيعي والقبلي والحضري، وهو ما كانت تفتقده الكتل البرلمانية في المجالس السابقة، اذ كانت الكتلة تضم نوابا ذوي توجه معين فقط، ولا تسمح بدخول أعضاء يخالفون هذا التوجه الذي شكلت على أساسه، فضلاً عن ان بعض هذه الكتل الجديدة يضم تخصصات متنوعة، ففيها المحامي والمهندس والطيار والسياسي والوزير السابق، وهذا ينطبق الى حد كبير على كتلة المستقبل. كما تحاول هذه الكتل التأكيد على ان كل عضو من أعضائها مستقل لا ينتمي الى أي تيار خارج المجلس، ولا يسيطر عليه أحد من خارجه، وهذا ما يظهر حتى في اختيار مسمياتها على نحو عبرت عنه كتلة «المستقلون».(37)
- الحرية في اتخاذ القرارات وتبني المواقف: تحاول هذه الكتل التأكيد على عدم وجود قيود للعضو في أخذ أي قرار، سواء كان داخل الكتلة أو خارجها، فعلى سبيل المثال، تؤكد كتلة المستقبل – في نظام عملها الداخلي- أنه «بالنسبة للاستجوابات، في حال رغبة أي عضو من أعضاء الكتلة في تقديم استجواب أو المشاركة في تقديمه يتم طرح الموضوع على أعضاء الكتلة للنقاش والاتفاق على تبني الاستجواب من عدمه، من غير إخلال بحق العضو في مخالفة رأي أعضاء الكتلة دون أي التزام عليها. وبالنسبة للاستجوابات التي تقدم من أعضاء خارج الكتلة، يتم مناقشة الاستجواب ومحاوره مع أعضاء الكتلة لاتخاذ موقف موحد قبله دون أن يخل ذلك بحق أي عضو من اعضاء الكتلة في اتخاذ موقف مغاير لأعضاء الكتلة». (38)
وجهة النظر الثانية: اختلاف في الأسماء وتشابه في المضمون:
ثمة وجهة نظر أخرى ترى ان هذه الكتل التي التأم أغلبها بشكل مفاجئ تتشابه في المضمون وتختلف فقط في الأسماء، اذ ان عنوان عملها واحد تقريباً وهدفها متشابه الى حد ما هو توحيد الجهود، والتنسيق المنظم في استخدام الأدوات النيابية المختلفة، وفي التعامل مع القضايا التي يفرضها الواقع على أجندة مجلس الأمة، وهذا يثير تساؤلات جدية حول قدرتها على العمل في ظل تشابه مكوناتها وتوجهاتها. كما يرى البعض الآخر ان ترك الكتلة لأعضائها حرية تبني المواقف واتخاذ القرارات، يهدم الأساس والهدف الذي قامت من أجله الكتلة، المفترض أنها تنسق المواقف وتحشد التأييد حول قضية معينة تؤمن بها، وإلا ما الفارق بينها وبين النواب فرادى في المجلس، فلكل نائب حرية تبني موقف معين تجاه قضية معينة. فضلاً عن ان احدى هذه الكتل، وهي كتلة «المحافظون» تعيد الى الأذهان بعض الكتل في المجالس البرلمانية السابقة التي تقصر عضويتها على انتماءات معينة ولا تتسع لتشمل توجهات مختلفة في عضويتها، خاصة في ضوء ما أعلنته الكتلة بأن هدفها الأساسي هو العمل على أسلمة القوانين وتعديل المادة الثانية من الدستور.(39)
في جميع الأحوال، لا يمكن خلال الفترة القصيرة من تأسيس هذه الكتل تبني احدى وجهتي النظر المشار اليهما، ولكن يمكن القول في الوقت ذاته إن الكتلة البرلمانية في النهاية هي كتلة تنسيقية تنظيمية، تلتئم من أجل مصلحة مشتركة، وعليها ان تثبت قدرتها في تحقيق الأهداف التي التأمت من أجلها، والقادم من الأيام سيثبت مدى ثقل هذه الكتل البرلمانية ووزنها في عملية توجيه القرارات.
ملاحظات ختامية واستنتاجات:
في ضوء ما تم تناوله في هذا التقرير، يمكن الإشارة الى الاستنتاجات والملاحظات الختامية التالية:
< دولة الكويت مثل غيرها من الدول العربية تتأثر بما يجري حولها من تغيرات وتبدلات، وكان من الطبيعي أن يكون لأحداث الربيع العربي انعكاسات في المشهد السياسي الكويتي، تجلت أبرز صوره في صعود لافت لتيار الإسلام السياسي وتصدره للمشهد مستغلاً حالة الحراك الذي أوجدته بعض التجمعات الشبابية. ولكن ومثلما حدث في عدد من الدول العربية، سواء التي شهدت ثورات أو التي تأثرت بها، فان السلبيات العديدة والأخطاء التي شابت أداء تيار الإسلام السياسي في الكويت ولجوءه الى الشارع كأداة لحشد التأييد لمواقفه، أفقدته مع مرور الوقت الكثير من قواعده الجماهيرية، وهذا ما تعكسه نسبة المشاركين في التظاهرات التي دعت اليها المعارضة أخيراً، والتي تشهد انخفاضاً ملحوظاً بمرور الوقت، بعد أن كانت تقدر في البداية بعشرات الآلاف.
< في مقابل الصعود اللافت لتيار الإسلام السياسي ثم تراجع شعبيته على نحو ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، لا تزال التساؤلات تثار بشأن وضع التيار الليبرالي الكويتي. فلاشك في ان ضعف وهشاشة التيار الليبرالي وعدم قدرته على تقديم البديل الفعال، كان من بين أسباب صعود تيار الإسلام السياسي. ولكن مع الأخطاء والسلبيات التي شابت أداء هذا الأخير، يتساءل البعض: لماذا لا ينهض التيار الليبرالي ويصحح من مسيرته ويتدارك أخطاءه ليقدم نفسه كبديل فعال على الساحة؟
صحيح أن التيار الليبرالي الكويتي شرع خلال الفترة الأخيرة الى التنسيق المشترك بين الكتل السياسية المكونة له، والتي أكدت بدورها على ضرورة عدم ترك الساحة السياسية مفتوحة لتيار بحد ذاته يستغلها منفرداً من دون حضور للرأي الآخر، كما اتفقت على ضرورة مقابلة ما هو مرفوض من خطاب الأغلبية البرلمانية المبطلة بخطاب مواجه له، كي تبقى الساحة السياسية فاعلة ونشيطة بمشاركة كل التيارات والتوجهات، ولكن هذه المحاولات لم تسفر عن شيء على أرض الواقع حتى الآن، سوى بعض الاجتماعات واللقاءات، التي لم ينتج عنها خريطة طريق واضحة وملامح أولية يتم الاتفاق عليها كحد أدنى فيما بين القوى والكتل المكونة للتيار الليبرالي.
التحول الآخر الذي طرأ على الكتل النيابية في المجلس الحالي بظهور كتل جديدة تتلمس طريقها في البرلمان، لا يقل أهمية، ولا يزال هناك متسع من الوقت أمام تلك الكتل الجديدة في اثبات وجودها على الساحة السياسية، وأمامها فرصة كبيرة لتقديم بديل عن الكتل السابقة وإظهار ممارسات تؤكد اختلافها عن تلك الكتل في العمل السياسي البرلماني.
إن مجمل التحولات التي سبقت شهدتها الساحة السياسية الكويتية والتي تم تناولها في سياق هذا التقرير، قد أعادت رسم المشهد السياسي الكويتي من جديد، ومن المتوقع ان تشهد هذه الساحة أنماطا جديدة من التفاعلات خلال الفترة القادمة بين الكتل والتيارات السياسية في الكويت، وسيكون لحكم المحكمة الدستورية المنتظر بشأن مدى دستورية التعديلات التي أدخلت على نظام التصويت في الدوائر الانتخابية، دور كبير في توجيه دفة هذه التفاعلات وتحديد أنماطها.



الهوامش:

 - جدير بالذكر في هذا السياق أنه في يناير الماضي 2013، قدم 15 قيادياً وعضواً في المنبر الديموقراطي الكويتي استقالاتهم منه احتجاجاً على ما وصفوه بانحرافاته عن خطه الوطني، وكذلك لتأكدهم من ان إصلاحه بات مستعصياً لعدم احترام الرأي والرأي الآخر، موضحين في بيان لهم ان من هذه الانحرافات عدم تمكن المنبر من تطوير آليات الانتشار الجماهيري وتوسيع قاعدة العضوية خلال عقدين من الزمن، وكذلك عجزه عن التبشير بثقافة سياسية تقدمية تعزز قيم الدولة المدنية وتؤكد الهوية الوطنية وتحرر العقول من الاستقطابات والانتماءات القبلية والطائفية والدينية، وأيضاً عدم قدرة العديد من أعضاء المنبر على استيعاب القيم العصرية ذات الصلة بالفكر الليبرالي المعاصر واستمرارهم في ظل القيم البائدة والنمطية، اضافة الى عجزهم عن استيعاب القيم المتعلقة بمفاهيم وقيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تؤكد على حرية التعبير واحترام الرأي الآخر. انظر للمزيد من التفاصيل: المنبر الديموقراطي.. ينهار، صحيفة «الوطن» الكويتية، 2013/1/7.
1 – حتى يلتئم التيار الوطني الديموقراطي من جديد، 2008/3/23.
2 - للمزيد من التفاصيل، التحالف الوطني الديموقراطي، موقع صوت من أجل الكويت، متاح في:
http://votforkuwait.com/?p=1228
3 - خليل العناني، الإسلاميون والتجربة الديموقراطية في الكويت:
http:www.almoslim.net/node/84442
4 - انظر للمزيد من التفاصيل، حول نشأة هذا التجمع ومشاركاته الانتخابية والقضايا التي اهتم بها وتحالفاته، في: التجمع الإسلامي السلفي، صحيفة «القبس» الكويتية، 2009/4/1.
5 - أحمد شهاب، خريطة الكتل السياسية الكويتية بعد التحرير، شبكة النبأ المعلوماتية، 2008/9/29.
6 - للمزيد من التفاصيل، انظر: تجمع ثوابت الأمة، موقع صوت من أجل الكويت، متاح في:
http://votforkuwait.com/?p=1249
7 - أحمد شهاب، مرجع سبق ذكره.
8 - المرجع السابق.
9 - المرجع السابق.
10- للمزيد من التفاصيل، انظر: تجمع الرسالة الإنسانية، موقع صوت من أجل الكويت:
http://voteforkuwait.com/?cat=190
11 - أحمد شهاب، مرجع سبق ذكره.
12 - شيعة الكويت، متاح في:
http://wadyalgary.com/WADY_SITE/shiite_worldwide/kuwait_shia.htm
وللمزيد من التفاصيل حول أهداف هذا الائتلاف، انظر: الحركات والجماعات السياسية والدينية في الكويت، 2006/12/7:
http://web.nuks.org/omma09/kuwaitelections/Pages/1415983.htm
13 - للمزيد من التفاصيل حول هذا التيار وأهدافه، انظر الموقع الرسمي له، متاح على الرابط التالي:
http://taqadomi.com/%d8%a3%d9%87%d8%af%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%b1/
14- لقاء جريدة «الراي» حول «التيار التقدمي الكويتي» مع أحمد الديين، صحيفة «الرأي» الكويتية، 2011/2/15.
15- كتلة العمل الشعبي، موقع البرلمان، متاح في: http://www.albarlaman.com/uploads/Members/Block_2.pdf -
16 - كتلة التنمية والاصلاح، موقع البرلمان، متاح في: http://www.albarlaman.com/uploads/Members/Block_1.pdf –
17 - للمزيد من التفاصيل حول هيكلها التنظيمي وأهدافها ومجالات عملها، انظر: كتلة العمل الوطني، موقع البرلمان، متاح في:
http://www.albarlaman.com/uploads/Members/Block_3.pdf –
18 - أحمد الديين، مرجع سبق ذكره.
19 - أبعاد وتداعيات التصعيد بين الحكومة الكويتية والمعارضة على خلفية تعديل آلية التصويت في الانتخابات البرلمانية، تقرير الخليج الاستراتيجي، المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية، العدد رقم 25، نوفمبر 2012.




 - من ذلك على سبيل المثال، إصرار التيار السلفي على تعديل المادة الثانية من الدستور لتصبح «الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع» بدلاً من النص الحالي «مصدر رئيسي»، ومطالبة البعض الآخر بتعديل المادة 79 من الدستور والتي تنص على أنه «لا يصدر قانون إلا اذا أقره مجلس الأمة وصدق عليه الأمير»، ليصبح النص بعد تعديله «لا يصدر قانونا إلا اذا أقره مجلس الأمة وصدق عليه الأمير، وكان موافقاً للشريعة الاسلامية، وكذلك وما أثير بشأن «قانون الحشمة» الذي لم يخرج الى النور، وغيرها من القضايا الأخرى.
20 - انظر المزيد من التفاصيل حول هذا المطلب: الإمارة الدستورية.. مطلب الأغلبية، صحيفة الوسط الكويتية، 2012/8/28، وانظر: محمد عبدالقادر الجاسم، هل تتجه الكويت فعلاً صوب «الإمارة الدستورية»؟، جريدة «الراي»، 2012/6/28، وانظر أيضاً: محمد عز العرب، هل يمكن ان تتحول الكويت الى «ملكية دستورية»؟، مجلة السياسة الدولية، 2012/2/23.
21 - الجبهة الوطنية لحماية الدستور...8 أهداف للوصول الى نظام الدائرة الواحدة والتمثيل النسبي ونظام القوائم، صحيفة «الراي» الكويتية، 2012/9/10.
22 - المرجع السابق.
23 - للمزيد من التفاصيل حول دلالات تشكيل تلك الجبهة، انظر: تشكيل الجبهة الوطنية لحماية الدستور في الكويت...ماذا تحمل من دلالات؟، في: تقرير الخليج الاستراتيجي، المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية، العدد رقم 20، سبتمبر 2012.
24 - للمزيد من التفاصيل، انظر: المعارضة الكويتية تتقلب بين جمر الانتظار.. وصفيح صيف ساخن، موقع ايلاف الالكتروني، 2013/3/18.


أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

90.0028
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top