مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

نهضة الحسين (ع) النهضة الإنسانية

السيد ابوالقاسم الديباجي
2012/11/25   12:03 ص

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



ان نهضة عاشوراء الحسين (ع) تحمل الكثير جدا من الدروس التي يمكن الاستفادة منها، واهم درس نستفيد منها هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، تلك الفريضة التي تكاد تكون غائبة ليست عن أيدينا وألستنا فقط، بل عن عقولنا وقلوبنا ايضا.
ففي الزمن الذي ينتشر فيه الفساد والانحراف من كل صوب وحدب يلزم على الانسان المسلم عدم الاكتفاء بالتفرج، وينبغي عليه التحرك من مكانه، طلبا للاصلاح وتغيير المنكرات، ولكن وفق الضوابط السلمية والعقلانية التي يدعو اليها دين الاسلام.
لقد نهض الامام الحسين (ع) مذكرا المسلمين بمثل قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} فهل لاحظت كيف قدم الله عز وجل الاصلاح بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر على الايمان به جل جلاله؟!
ان الفلاح في نظر القرآن الكريم هو: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، فالفلاح الذاتي والاسري والاجتماعي هو في الاصلاح، والاسلام يعتقد بان ترك الاصلاح مهلكة للنفس وللآخرين، ويرى ان الحريق اذا وقع في بيت واحد ولم يستدرك فانه ينتقل من بيت الى بيت حتى تحترق بيوت كثيرة.
نعم، لقد اراد الامام الحسين (ع) الاصلاح في الامة من خلال الاسلام الذي حمله جده رسول الله (ص)، حيث قال: «لم اخرج أشِرا ولا بطرا، ولا ظالما ولا مُفسدا، وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر».
ولان نهضة الحسين (ع) نهضة انسانية ورسالية واصلاحية، فهو لم يستعجل القتال، اذ لم يكن هدفه القتال لذاته، وانما من اجل الانسان والاصلاح، فاذا كان المنطق والحوار والخطاب، طريقاً الى حماية الانسان من نفسه الامارة بالسوء، فلماذا اللجوء اذا الى السيف؟ والسب والقذف والتكفير؟
وعلى هذا الاساس اعظم واكبر رسالة قدمها لنا الامام الحسين (ع) هي تطبيق منطق الحوار والذي كان منطق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعامله مع الكفار والمشركين واسلوبه في دعوته الى الاسلام، فعلى الرغم من موقف الكفار المعادي والمؤذي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشتى الطرق ومحاولتهم قتله عدة مرات الا انه لم يقف بالموقف السلبي والمتشنج ولم يسلك مسلكا عدائيا لهم بل واجههم بسعة الصدر والحوار الهادئ الهادف.
ونهج رسول الله صلى الله عليه وآله هو نهج الله عز وجل ونهج القرآن الكريم فقد اكد الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز على مبدأ الحوار المعتمد على المنطق والدليل العقلي وليس الدليل العاطفي او الاهواء، ودعا الى احترام آراء وقناعات الآخرين وعدم تجريحهم او اهانتهم او الاساءة اليهم واستفزازهم فقال تعالى: {ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن} وقال سبحانه: {ومن احسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين} و{لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن}، وقال عز وجل: {ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن}.
في هذه الآيات نجد ان الله سبحانه وتعالى دعا الى اتباع الحكمة والموعظة الحسنة في تعاملنا مع الآخرين وان نعمل صالحا ولم يدع الى اثارة الفوضى والفتن وزعزعة الامن والاستقرار.
وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تذكر لنا كيف كان تعامل الرسل والانبياء مع اقوامهم في دعوتهم الى الله عز وجل وكيف كانوا يتحاورون معهم، فكانوا يستخدمون افضل السبل واحسنها في الحوار، مع ضرب للمثل واقامة الحجة وايراد الادلة العقلية او الحسية وتقديم البراهين.
نعم هذا هو الاسلام الذي يعتمد على الحوار ويستطيع اقناع الآخر، بعيدا عن القمع بعيدا عن التكفير بعيدا عن التشدد بعيدا عن التعصب، بعيدا عن القتل.
وقد سار الحسين (ع) على نهج رسول الله صلى الله عليه وآله في نهضته الخالدة، فنجده في ليلة عاشوراء يخبر الاعداء بانه مستعد ان يجلس ويتحاور معهم حتى لا يصل الامر الى استخدام العنف والقتال واراقة الدماء.
وعندما اراد العدو ان يعرض الامان على العباس واخوته في حال تركهم للحسين (ع) والتخلي عنه، اعرضوا عنه، فقال لهم الامام الحسين (ع): اجيبوه ولو كان فاسقا.
هنا نجد مدى حرص الامام (ع) على المحاورة حيث امر العباس واخوته الى التحدث مع العدو.
لقد حاول الحسين (ع) تطبيق قول الله عز وجل: {ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}، واستفراغ كل طاقاته في الحوار قبل ان يرد على رسل القوم «النبال» التي صوبوها باتجاه معسكره ليستعجلوه القتال، فاستخدم كل الوسائل الممكنة للوصول الى حالة تفاهم مع الجيش الذي جاء لقتاله.. وحتى اللحظات الاخيرة.. لكن لم يكن ذلك الجيش هو جيش التفاهم.
ولو كان الامام لا يحب الانسان، لاستعجل القتال ليعجل بقاتليه الى النار، كما يفعل من يكرهون الانسان، ويحبون توريطه من خلال استدراجه الى مكامن الخطأ والجريمة، اما الحسين (ع) فقد سعى الى تنبيه الانسان الى خطئه وجريمته، في محاولة انسانية منه لانقاذه من براثن الجريمة.
ان ثورة الامام الحسين (ع) هي ثورة وعي وقيم ومعاني انسانية، فيجب ان نتعلم منها كيفية الالتزام بالدين ومبادئه وقيمه وكيفية الدفاع عنه وعن الحقوق، فالحسين (ع) ونهضته نهضة انسانية تمثل نموذجا فريدا سيظل حيا الى ان يرث الله الارض ومن عليها، واما في الاخرة فقد اخذ البشرى من جده الاعظم بانه سيد شباب اهل الجنة مع اخيه الحسن (ع).

السيد أبوالقاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
أخبار ذات صلة dot4line
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

730
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top