مقالات  
نسخ الرابط
 
  
  
 
  A A A A A
X
dot4line

الطريق إلى الله

الصوم

السيد ابوالقاسم الديباجي
2012/07/21   04:54 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



بعد بسم الله وتوكلنا على الواحد القهار.. نبدأ اولى خطواتنا على الطريق الى الله، وكأي سفر يجب علينا الاستعداد له وتجهيز ما يلزمه من زاد وزواد من طعام وشراب، ولكن هذا النوع من الزاد يصلح للسفر الدنيوي فقط، اما السفر الروحي في الطريق الى الله فيلزمه عكس ذلك تماما، يلزمه الامتناع عن الطعام والشراب أي «الصوم» كتجهيز للبدء في اخذ اول خطوة على الطريق الى الله، فاذا كنت في سفرك الدنيوي تحتاج الى الاستعداد البدني بالاكل والشرب فانك في سفرك الى الله تحتاج الى التجهيز الروحي والنفسي بالصوم، فاذا صام الانسان صوما صحيحا انقطع بذلك عن كل ملذات الدنيا من طعام وشراب وحب للشهوات والنفاق وعن كل ما يشبه ذلك من المعاصي والذنوب التي يمكن ان تبطل صومه او تفسده وتقسي القلب وتجعله في غفلة عن ذكر الله فان تناول هذه الشهوات قد يحول بين العبد وبين الذكر والفكر ويستدعي الغفلة، فاذا وصل لهذه الحال الروحانية اصبح قلبه جاهزا للفكر والذكر ولا يشغله الا عبادة الخالق سبحانه وتعالى والبحث عن رضاه والجنة والبعد عن غضبه والنار وتكون روحه صافية وجاهزة للمضي قدما في طريقها الى الله.
فالصوم من اعظم العبادات التي تهيئ النفوس لتقوى الله بامتثال اوامره واجتناب نواهيه، لان الصوم امر موكول الى نفس الصائم وضميره، اذ لا رقيب عليه الا الله، فيصبح اهم ما يشغل المؤمن هو كيف يمكنه ان يخطو في سبيل التقرب الى الله تعالى، ويرتقي الى مراتب الطاعة المرضية وذلك لا يتحقق الا بتوجه القلب الى الله عز وجل بالطاعة المخلصة والالتزام بالمقتضيات المعنوية للعبادات فكانت فريضة الصوم من العبادات التي يستطيع بها المؤمن التقرب الى الله عز وجل فهي عبادة بين العبد وربه، فالانسان قد يكون مفطرا لكن لا يظهر هذا للناس فيكون بذلك صومه في العلن فقط، اما العبد المؤمن السالك في طريق الله يكون صومه في السر والعلن لله رب العالمين كما قال سبحانه وتعالى عن الصوم ومرتبته العالية في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به».
اذا فالهدف الاسمى من الصوم هو تقوى الله عزوجل {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ومن حكمه العظيمة تربية النفس بكفها عن شهواتها والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق، وكذلك يحثنا الصيام على الصبر، فان فيه صبرا على طاعة الله وصبرا عما حرم الله على الصائم من الشهوات وصبرا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن وهذا الألم الناشئ من اعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه.
كذلك يحثنا الصيام على الوحدة الوطنية والدينية فالغني يعرف قدر نعمة الله عليه باقداره له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فانه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع ذلك على الاطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغني ويدعوه الى رحمة اخيه المحتاج ومواساته بما يكفي من ذلك، ويوده ويمده بالطعام والكساء والاموال فتنشأ بينهم المودة والرحمة والتأخي وتمتد بينهم جسور الوحدة والمحبة.
وللصائم سفر محدود الى الله تعالى يبدأ من اذان الفجر وينتهي عند ذهاب الحمرة المشرقية ولكن متى يكون الصول الى الهدف؟!
في وقت الافطار!!
فعن رسول (ص) انه قال: «للصائم فرحتان فرحة عند افطاره» وهذه هي الفرحة الاولى للصائم بتغذية طبيعته بالغذاء المادي وتأتي في نهاية السفر المحدد زمانا.
وللعبد ايضا سفر مستمر غير محدود وهو الذي يبدأ من اول يوم التكليف الشرعي ويستمر الى يوم الاجل المحتوم وهذا ايضا صيام ولكنه صيام القلب، فالقلب الذي وصفه الله تعالى بقوله: «وسعني قلب عبدي المؤمن» يكون صائما ما لم يدخله شيء غير خالقه، اما اذا دخله ما سوى الله سبحانه وتعالى فقد افطر في الزمان الذي لابد ان يكون فيه صائما!! وكذلك صيام النفس لا يحبسه عن الذنوب والمعاصي والصبر عليها فحسب بل عن المكروهات والشبهات ومعاتبتها على قلة العبادة والذكر، وهذا صيام اخص الخواص من العباد الذين بلغوا المرقأة العليا في التوحيد الخالص لله عز وجل.
فمتى يكون الوصول الى الهدف في صيام النفس والقلب؟!
يقول رسول الله (ص) في تتمة حديثه الشريف: «وفرحة يوم يلقى ربه».
كلنا نعرف – فقهيا – مفطرات صوم الظاهر ولكن ما هي مفطرات صوم الباطن؟!
كل عمل ينافي الكمال والسير في الطريق الى الله هو من المفطرات!! وعلى هذا لابد العبد ان يحذر في سيره الى الله من الآفات والمهلكات والمفطرات حتى لا يبطل صيام نفسه فيسقط وتكون نفسه الى النقصان اقرب منها الى الزيادة.
يقول السيد حيدر الآملي (ره) في باب اسرار الصوم نقلا عن بعض اهل المعرفة:
«واما درجات اسرار الصوم فثلاثة: ادناها ان يقتصر على الكف عن المفطرات ولا يكف جوارحه عن المكاره وذلك صوم العموم من الناس وهو قناعة بالامس، الثانية ان يضيف اليه كف الجوارح فيحفظ اللسان عن الغيبة والعين عن النظر بالريبة وكذا سائر الاعضاء وذلك صوم الخوام من الناس، واما الثالثة فهو يضيف اليهما صيانة القلب عن الفكر والوساوس ويجعله مقصورا على ذكر الله تعالى ومشاهدته في مظاهره وذلك صوم خصوص الخصوص من الناس وهو الكمال المقصود بالذات».
وإلى اللقاء بمشيئة الله تعالى في خطوة أخرى على الطريق إلى الله.

السيد أبوالقاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
التعليقات الأخيرة
dot4line
 

1610.735
 
 
 
إعلن معنا
موقع الوطن الإلكترونية – حقوق الطبع والنشر محفوظة
 
Top