مقالات  
 
 
  
  
 
  A A A A A


كلام بجد

«احنا رايحين على فين؟»

أحمد البرنس
2012/04/13   11:10 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



مرارا وتكرارا تساءلت – ومازلت اتساءل – عما يجري في المحروسة، يكتسب السؤال صيغة استفهامية تارة، واستنكارية تارة اخرى، لكن تبقى الصورة في جميع الاحوال واضحة للعميان قبل العيان، تتقاطع خيوطها هنا، وتتباعد هناك، وتظل حالة الحيرة الممزوجة بالمرارة والاسى كامنة في صدور المصريين ولا يملكون دفعا لكابوسها، يلتفتون يمينا ويسارا متسائلين «احنا رايحين على فين؟».
واقع الامر ان معطيات الصورة تشي بمستقبل اكثر اظلاما، في ضوء غياب الرشاد العقلي والاجتماعي لدى النخبة وسيطرة الأنوية والشخصنة فضلا عن حسابات المصلحة الآنية والمستقبلية على كامل المشهد، يستوي في ذلك الفرد او الجماعة او التيار او الائتلاف، اختر ما شئت وسم ما شئت، لا فرق جوهري، فقط يكون الاختلاف في القشور السلوكية وليس في الجذور الرؤيوية، التي عادة ما تكون ابرز محددات موطئ القدم لهذا الطرف أو ذاك. سواء على المستوى التكتيكي المرحلي، او الاستراتيجي الدائم وكل يسعى لهدف ينبغي الوصول اليه.
واتجاوز عن تلك المقدمة السوفسطائية لاصل الى السؤال المريب والمشبوه «احنا رايحين على فين؟» في ضوء مفردات واقع يشهده الجميع ويدركون تفاصيله وجزئياته.
في البدء كانت هناك ثورة اندلعت في ميدان التحرير وعدد من ميادين محافظات المحروسة ليلة السادس والعشرين من يناير 2011، وقبل ان يذكرني احدهم بكافة الارهاصات التي سبقتها منذ العام 2005 حتى الخامس والعشرين من يناير، اقول له – ولغيره – ان تلك الارهاصات في حقيقتها لم تزد عن هبّات فئوية لا تستهدف النظام في مجمله، لكنها كانت محددة المطالب الخاصة باصلاحات غير جذرية وليست عميقة، كان النظام يستطيع التعاطي معها بأبسط درجات حسن النية بحيث ينأى بنفسه عن المصير الذي آل اليه لولا حالة الحماقة التي سيطرت على متنفذيه وساهمت فيما نحن فيه الآن من فوضى.
لن نسرد احداث ووقائع ما جرى، فالجميع – بفضل وسائل الاتصال الحديثة – يعرفها، وكل حدث يصبح بعد دقيقة من وقوعه جزءاً من الماضي، لسنا معنيين به بقدر توافر الرغبة في تأمله فقط وليس استلهامه.
لكننا بالضرورة معنيون – كل بقدر فهمه لما يجري وموقفه منه – بالتفكر في معركة كسر العظم الدائرة منذ فترة والمستمرة حتى الآن ضمن لعبة القط والفأر بين العسكري والاخوان التي سبق ان اشرت اليها في مقال سابق، ولنتفق على عدة امور:
أولها ان هناك شكلاً من اشكال العلاقات تربط بين العسكري والاخوان، تتسم بالمرونة واللدونة بحيث يمكن ان تحتوي صفقة حينا، وصداما حينا اخر بشرط ان تبقى الخيوط موصولة.
ثانيا: اننا لا يمكن ان نتعامل بأي قدر من الجدية مع ما صرح به المشير طنطاوي اخيرا بان العسكري لا يدعم أي مرشح رئاسي وانه يقف على مسافة واحدة من الجميع.
ثالثا: ان حالة الارباك التي تشهدها البلاد نتيجة دفع هذا الطرف أو ذاك بمرشح هنا مقابل مرشح هناك، وما صاحبه من استصدار حكم قضائي ببطلان تأسيسية الدستور ثم الهجوم المضاد المتمثل في قانون عزل الفلول، هي مجرد فصول في مسرحية متفق عليها ضمنا في اطار اللعبة السياسية، ولا اقصد هنا بالطبع - كما يمكن ان يتبادر الى ذهن بعض الاغبياء - ان ممثلي الاخوان والعسكري اجتمعوا واتفقوا على ذلك، فما يحدث نتيجة توافق تقتضيه قواعد اللعبة السياسية والمجتمعية ويتم اتخاذه وفقا لمتطلبات هذه اللعبة دونما اجتماعات او اتفاقات من اي نوع، لأن كل طرف يدرك جيدا ماذا يريد من هذا الظرف آنياً ومستقبلياً.
رابعاً: انه حتى إذا تصاعد الخلاف ووصل الى مرحلة الصدام الخفي تحت الطاولة، فلا بد يوما ان يظهر للعلن، لكنه في نهاية الامر لن يؤثر في طرفي اللعبة، لان كل منهما يتمترس خلف عناصر قوته ونفوذه ويبقى المتضرر الوحيد من نتائجها وتداعياتها هو الشعب المسكين الذي يراد له ان يصدق هذه المسرحية ولو على الطريقة البريختية
خامسا: ان الامر المؤكد الآن هو المأزق الذي يحيط بكل اللاعبين سواء الرئيسيين واقصد العسكري والاخوان وحتى الهامشيين، وهم القوى والتيارات السياسية الليبرالية واليسارية، وكل يبحث عن سبيل للخروج او باللفظ الأدق النجاة من المستنقع السياسي الذي بات مرتعاً للطفيليات والجراثيم البشرية والظواهر المجتمعية الناجمة عن تكاثرها الأميبي.
سادسا: وأكررها هنا للمرة المليون ان البسطاء بالضرورة خارج اطار اللعبة السياسية لاعتبارات تتعلق بانعدام التراكم المعرفي الذي أدى إلى عزوفهم وانعزالهم عن النخبة فيما يشبه الفجوة بين الجانبين، وعليه فلا يهمهم - البسطاء - اسم الجالس على كرسي العرش في قصر العروبة، زيداً كان او عمراً، ويكاد اهتمامهم ينحصر في البحث عن سبل توفير احتياجاتهم الاساسية بحد ادنى من الكرامة.
ويطل السؤال برأسه ثانيا وثالثا وعاشرا «احنا رايحين على فين».
لا يخفى على احد ان لفظ «احنا» يعني البلد اي ان الصيغة الصحيحة للسؤال هي «البلد رايحة على فين»، قطعا في ضوء ما تشهده وما شهدته من احداث على مدى اكثر من 16 شهرا.
البعض يراهن على ان الامور يمكن ان تعود الى طبيعتها فور انتخاب الرئيس، ايا كان اسمه، كما لو كان هناك زر كمبيوتر، سوف تنصلح الاحوال بمجرد الضغط عليه وهذا في اكثر الاوصاف تهذيباً «وهم» يمعن البعض في تسويقه.
هل اقتربت من تلمس ابواب الحقيقة، هذا ما أحاوله ولا أدعيه لكن أعد بمواصلة المحاولة.

أحمد البرنس
أخبار ذات صلة
مقالات ذات صلة بالكاتب

328.125
 
 
 

موقع جريدة الوطن – حقوق الطبع والنشر محفوظة