مقالات  
 
 
  
  
 
  A A A A A


أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضُحى الغد

عبدالله خلف
2011/09/22   10:05 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/5
writer image

عدم الأخذ بالنصح غرور ونتاج ذلك الفرقة


هذا البيت للشاعر الجاهلي دريد بن الصمة، وكان فارسا شجاعا، أدرك الإسلام ولم يُسلم، وقُتل مشركا يوم (حنين).. معظم قصائده في رثاء أخيه عبدالله بن الصمة، وكان قد قتل في معركة (اللوى)، أو يوم اللوى كما هو معروف في تواريخ العرب.
وكان عبدالله قد غزا غطفان وساق أموالهم ومضى بها، ولما أبعد عنهم قليلا قال لقومه انزلوا بنا هنا في منعرج اللوى، فقال له دريد: ناشدتك الله ألا تنزل فإن غطفان ليست بغافلة عن أموالها، فأبى عبدالله إلا أن ينزل في ذلك المكان.
فبينما هم كذلك إذا بغبار قد ارتفع، فإذا هي غطفان، فتلاحقوا بمنعرج اللوى واقتتلوا، فقتل رجل من بني قارب عبدالله بن الصمة وتفرق الجمع، واستنقد بنو غطفان أموالهم وأموال بني الصمة فقال دريد يرثي أخاه عبدالله في هذه المرثية (الأغاني) ومطلعها:
أرث جديد الحبل من أم معبد
بعاقبة أو أخلفت كل موعد
وهي طويلة، ومنها:
نصحت لعارض وأصحاب عارض
ورهط بني السوداء والقومُ شُهَّدي
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى
غوايتهم أو أنني غير مهتد
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت، وإن ترشد غزية أرشد
و(غزية) قوم دريد، و(أم معبد) هي امرأة دريد، طلقها دريد لأنها، لما رأته شديد الجزع على أخيه، عاتبته على ذلك وصغرت من شأن أخيه وسبته.
وقال دريد شعرا كثيرا في رثاء أخيه، مثل ما قال المهلهل في كليب، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: «أحسن شعر قيل في الصبر على النوائب قول دريد ابن الصمة». ومن أجمل الرثاء في هذه القصيدة قوله، وهو مشهور:
فإن يك عبدالله خلى مكانه
فما كان وقافا ولا طائش اليد
كميش الإزار خارج نصف ساقه
بعيد عن الآفات طلاّع أنجد
قليل التشكي للمصيبات حافظ
من اليوم أعقابَ الأحاديث في غد
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه
فلما علاه قال للباطل ابعد
النصح وعدم الأخذ به هو غرور، ونتائج ذلك الفرقة، لذا تطالب الدول الحضارية بأخذ المشورة من الآخرين لأن رأي الواحد لا يُجدي ولا ينفع، ومما قاله في رثاء أخيه عبدالله أيضا:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه
فلما دعاني لم يجدني بقُعْدِدِ
والقعدد: الضعيف الجبان
وقوله: أرث جديد الحبل من أم معبد.. هي زوجته، فكانت تعاتبه على استمراره في رثاء أخيه فطلقها، وقال القصيدة المذكورة..
واستمر في رثاء أخيه بأجمل القصائد، وعرفت من جيد المراثي عند الرجال الشعراء.
قالت امرأة دريد له يوما: لقد أسننت وضعف جسمك وقُتل أهلك وفني شبابك، ولا مال لك ولا عدة فعلى أي شيء تعول إن طال بك العمر أو على أي شيء يخلف أهلك أن قُتلت فقال دريد:
أعاذل إنما أفنى شبابي
ركوبي في الصريخ إلى المنادي
ويبقى بعد حلم القوم حلمي
ويفنى قبل زاد القوم زادي
مع الفتيان حتى كَلَّ جسمي
وأقرح عاتقي حملُ النجاد
أعاذل ما يُدريك أن منيتي
إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد
وكثير من الشعراء ردوا على من يلومهم بـ(أعاذل) منهم حاتم الطائي والعُكـْلي وعدي بن زيد، وزيد الفوارس.. وهكذا كان دريد بن الصمة في مراثيه لأخيه عبدالله.

عبدالله خلف
أخبار ذات صلة

2968.75
 
 
 

موقع جريدة الوطن – حقوق الطبع والنشر محفوظة