مقالات  
 
 
  
  
 
  A A A A A


الطريق إلى الله

التضرع

السيد ابوالقاسم الديباجي
2012/07/28   05:14 م

شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 0/5
writer image



من احد السبل والطرق التي نتطرق اليها اليوم للتقرب الى الله هي (التضرع والخضوع اليه) بل ان الله تبارك وتعالى جعل التضرع غاية كما في قوله تعالى {وما أرسلنا في قرية من نبي الا اخذنا اهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون}، إذاً فالاخذ بالبأساء والشدة كالمرض او الحروب او الفقر وكل ما يصيب الانسان بضرر او حزن وغم والم، الغاية الرجوع والتضرع الى الله عز وجل، فاذا كان الناس لا يعرفون ربهم الخالق الواحد القهار في الرخاء والسعادة والنعم التي لا تعد ولا تحصى الذين وهبها لهم الله سبحانه وتعالى ولا يشكرونه ولا يدعونه حتى بدوام النعمة، اذا فلا بد ان يتعرفوا اليه في البأس والحاجة، فالانسان اذا اصابته المصيبة تخلى عنه البشر ولا يجد له مخرجاً الا من عند الله الذي لا يغفل عن عباده طرفة عين.
قال تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال} (الأعراف/205).
والتضرع هو اظهار الذل والافتقار والاستكانة والخضوع، فقد يدعو الانسان ربه في بادئ الأمر مناجاة وخفية فلا يسمع منه صوت ولا انسن ولكن حينما تشتد عليه المصائب والمكاره يكون دعاؤه واستغفاره مناداة ومصحوباً بالبكاء والانين علنا وجهرة والحالة الثانية هذه تسمى بالتضرع، والحق تبارك وتعالى يقول: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} (الاعراف/55) على ان يكون ذلك في اطار العبودية غير خارج عنها ولا منافياً لأدبها، ولهذا ختمت الآية المباركة: امر ان يدعوه بالتضرع والتذلل وان يكون ذلك خفية من غير المجاهرة البعيدة عن ادب العبودية الخارجة عن زيها – بناء على ان تكون الواو في «تضرعاً وخفية» للجمع – او ان يدعوه بالتضرع والابتهال الملازم عادة للجهر بوجه او بالخفية اخفاتاً فان ذلك هو لازم العبودية ومن عدا ذلك فقد اعتدى عن طور العبودية وان الله لا يحب المعتدين ومن الممكن ان يكون المراد بالتضرع والخفية الجهر والسر وانما وضع التضرع موضع الجهر لكون الجهر في الدعاء منافياً لأدب العبودية الا ان يصاحب التضرع.
وقد ذم الله تعالى الذين لا يتضرعون اليه حيث قال: {ولقد اخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} (المؤمنون: 76).
عن محمد بن مسلم، قال: سألت ابا جعفر (ع) عن قول الله عز وجل: {فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} فقال (ع): «الاستكانة هي الخضوع، والتضرع هو رفع اليدين والتضرع بهما».
وعن الامام الحسين (ع) قال: «كان رسول الله (ص) يرفع يديه اذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين»، وروي انه (ص) كان يتضرع عند الدعاء حتى يكاد يسقط رداؤه.
والتضرع من اسباب استجابة الدعاء، قال رسول الله (ص): «ان الله يستحي من العبد ان يرفع اليه يديه فيردهما خائبتين».
والعلة في رفع اليدين هي اظهار الاستكانة والفاقة بين يديه تبارك وتعالى.
وقد سأل ابو قرة الامام الرضا (ع): ما بالكم اذا دعوتم رفعتم ايديكم الى السماء؟
فقال ابو الحسن الرضا (ع): «ان الله استعبد خلقه بضروب من العبادة.. واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرع ببسط الايدي ورفعهما الى السماء لحال الاستكانة وعلامة العبودية والتذلل له».
ولليدين وظائف وهيئات في الدعاء تتغير حسب حال الداعي في الرغبة والرهبة والتضرع والتبتل والابتهال، قال الامام الصادق (ع): «الرغبة: تبسط يديك وتظهر باطنهما، والرهبة: بسط يديك وتظهر ظهرهما، والتضرع: تحرك السبابة اليمنى يميناً وشمالا، والتبتل: تحرك السبابة اليسرى ترفعها في السماء رسلاً وتضعها، والابتهال: تبسط يديك وذراعيك الى السماء، والابتهال حين ترى اسباب البكاء».
وقد كان رسول الله (ص) في كل احواله متضرعاً خاشعاً متذللا لربه تبارك وتعالى، وقد عرض عليه ربه ان يجعل له بطحاء مكة ذهباً فقال (ص): «لا يارب، ولكن اشبع يوما، واجوع يوما، فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك، واذا شبعت شكرتك وحمدتك».
وعند خروجه للاستسقاء كان يخرج متواضعاً متضرعاً حتى يأتي المصلى فلم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم يصلي ركعتين كما كان يصلي في العيد.
وفي الجهاد كان يتضرع ويدعو ففي بدر استنصر ربه ودعاه حتى انزل الله المدد: {اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} (الانفال: 9).
وفي يوم الاحزاب دعا ربه وتضرع حتى صرف الله الشر عن المسلمين وكفاهم كيد اعدائهم.
وعند الكرب كان يذكر ربه ويذل له ويدعوه بهذا الدعاء: «لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله الا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم».
وطرق التضرع الى الله سبحانه وتعالى كثيرة منها الادعية والمناجات الواردة عن رسول الله (ص) واهل البيت (ع) المليئة بمعاني الفقر الى الله تعالى وسبل التذلل له وحده، وللأمكنة آثار في الخضوع والخشوع لله كالمساجد وكذلك آثار كشهر رجب وشعبان ورمضان وليالي الجمع.

السيد ابو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي

781.25
 
 
 

موقع جريدة الوطن – حقوق الطبع والنشر محفوظة